أزمات الماء والكهرباء في تونس: بين تحديات المناخ وضرورة تعزيز الحوكمة لتحقيق التنمية المستدامة
أصبحت التنمية المستدامة اليوم من أهم التحديات التي تواجه الدول، إذ لم تعد تقتصر على تحقيق النمو الاقتصادي أو إنجاز المشاريع الكبرى، بل تقوم أساساً على ضمان مقومات العيش الكريم، وحسن إدارة الموارد الطبيعية، وحماية البيئة، وتعزيز قدرة المؤسسات على مواجهة الأزمات. ومن هذا المنطلق، فإن توفير الماء والطاقة بشكل مستقر يعد أحد أهم مؤشرات نجاح السياسات العمومية.
وإذا كان الاهتمام في السابق يتركز أساساً على تحقيق الأمن الغذائي، فإن التحولات المناخية وتسارع الطلب على الموارد جعلا الأمن المائي والأمن الطاقي يحتلان موقعاً متقدماً ضمن أولويات الدول، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للاستقرار والتنمية.
وفي هذا السياق، تستحق أزمات انقطاع الماء والكهرباء التي تشهدها تونس نقاشاً هادئاً وموضوعياً، بعيداً عن اختزالها في التجاذبات السياسية أو تفسيرها بمنطق المؤامرة.
فهذه الأزمات هي نتاج تداخل عدة عوامل، في مقدمتها التغيرات المناخية، إلى جانب مدى جاهزية المؤسسات للتخطيط المسبق، وحسن إدارة الموارد، وتطوير البنية التحتية بما يتلاءم مع التحديات المتزايدة.
ولا يمكن إنكار أن منطقة البحر الأبيض المتوسط تعد من أكثر مناطق العالم تأثراً بالتغيرات المناخية، حيث تشهد ارتفاعاً متواصلاً في درجات الحرارة، وتكراراً لفترات الجفاف، واضطراباً في كميات التساقطات. وتونس، باعتبارها جزءاً من هذه المنطقة، ليست بمنأى عن هذه التحولات التي أصبحت واقعاً يفرض نفسه على مختلف القطاعات.
غير أن الإقرار بتأثيرات التغير المناخي يجب ألا يكون مبرراً للعجز، بل منطلقاً لوضع سياسات تقوم على مسارين متكاملين: مسار علاجي يهدف إلى إصلاح النقائص القائمة، ومسار استباقي وقائي يركز على الحد من آثار الأزمات قبل وقوعها. فموسم الأمطار معلوم مسبقاً، ويمكن التقليل من مخاطر الفيضانات عبر الصيانة الدورية لشبكات تصريف المياه، وتنظيف قنوات الصرف، وتحسين إدارة السدود والموارد المائية استعداداً لفترات الجفاف.
وبالمثل، فإن ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف وما يرافقه من زيادة كبيرة في استهلاك الكهرباء ليس أمراً مفاجئاً، بل ظاهرة موسمية تتكرر كل عام، الأمر الذي يفرض تعزيز جاهزية منظومة الطاقة، وتحديث البنية التحتية، وتنويع مصادر الإنتاج، بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ويحد من الانقطاعات المتكررة.
إن الحوكمة الرشيدة لا تقتصر على معالجة الأزمات بعد وقوعها، وإنما تقوم على حسن التخطيط والاستشراف واتخاذ القرارات في الوقت المناسب. فالدول تُقاس بقدرتها على توقع المخاطر والاستعداد لها، بقدر ما تُقاس بقدرتها على التعامل معها عند حدوثها.
كما أن تقييم إدارة الأزمات لا ينبغي أن يُفهم باعتباره موقفاً سياسياً ضد أي جهة، بل هو دعوة إلى تطوير السياسات العمومية بما يخدم المصلحة العامة. فالمواطن ينتظر حلولاً عملية تضمن استمرارية الخدمات الأساسية، وتحافظ على حقه في الماء والطاقة والبيئة السليمة، باعتبارها ركائز لا غنى عنها لتحقيق التنمية المستدامة.
ويبقى السؤال المطروح: هل سنواصل انتظار الأزمات لمعالجتها بعد وقوعها، أم سنرسخ ثقافة التخطيط والاستعداد والاستثمار في الوقاية؟ فالتنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق ما دامت أبسط مقومات العيش الكريم، وفي مقدمتها الماء والطاقة، عرضة للاهتزاز عند كل أزمة مناخية أو ضغط موسمي.
آمال الأجري





