إعلام الصمت   بقلم أحمد الحباسى  كاتب وناشط سياسى.

إعلام الصمت بقلم أحمد الحباسى كاتب وناشط سياسى.

3 سبتمبر 2021، 18:30

الساكت عن الحق شيطان أخرس ،  هكذا حذرنا رسول الأمة صلى الله عليه و سلم ، مع ذلك صمتوا و زكوا الديكتاتورية و طبلوا و مدحوا و هللوا ، من هم ؟ …  بالطبع من سماهم البعض بإعلام العار و من تلفظ البعض الآخر بوصفهم بإعلام المجارى  ، بعد الثورة تفنن الجميع في تحرير قائمة في من يرونهم  و يتهمونهم بممارسة إعلام العار أو إعلام المجارى  و قد نالت الأسماء التي ذكرت بتلك القائمات ما أكل الطبل ليلة العيد  و قد شاهدنا بكاء البعض أسفا على ما ارتكبت أقلامهم القبيحة من الفواحش و الخطايا الإعلامية  و رأينا من سارعوا بالاحتماء بهذا الحزب أو ذاك طمعا في التوبة و ربما استعدادا لخلع الفيستة و ينصر من صبح على قول كبارنا . أغلب إعلامنا المصون  عاهد الأنظمة المتعاقبة  على أن ينقل الحقائق كما يراها حكام تلك الأنظمة و ليس كما يراها الشارع و طبعا تجفّ الأقلام عندما يتطلب الأمر الحديث عن قضايا المواطن الحارقة  لان في مجرد الإشارة تكذيب للصورة المشاعة  في هذا البلد أو ذاك بكون الأمور تسير عال العال .

الصورة في الواقع ليست بهذه القتامة فهناك صحفيون مهنيون إلى أبعد الحدود لم يجدوا طريقهم إلى وسائل الإعلام لان الأوامر الحكومية تمنع تواجد أصواتهم و أقلامهم في المشهد الذي يراد له أن يكون ايجابيا على كل الأصعدة و هناك طبعا من دفع ثمن نحت مقال جدي يتناول مشاكل النظام أو مشاكل حكومة النظام  لكن من الثابت أن الإعلام العربي  قد ساهم في  تنامي طغيان الحكام و استبدادهم  و في عدم وجود مناخ ديمقراطي يمكن فيه للمعارضة أن تخلق نوعا من التوازن ، لذلك نتساءل اليوم عن حقيقة ما يشعر به هؤلاء الإعلاميون و هم يعيدون قراءة ما كتبت أيديهم أو يستمعون إلى ما نطقت به ألسنتهم  بل نتساءل كيف كنّا نشترى صحفهم و نستمع إليهم و نحن أدرى الناس بأنهم كاذبون  ، في واقع الأمر ،لم يكن الإعلاميون هم وحدهم من صمتوا بل هناك من  قاسمهم تلك الخطيئة من “سياسيين ” و مثقفين و رجال أعمال  و أصحاب دكاكين حقوق الإنسان و ما شابه ممن وقفوا على الحياد في وقت  استبيحت فيه الأعراض و نفذت فيه الأغراض ، أولائك الذين بشرهم مارتن لوتر كينغ بحجز أماكنهم  في الجحيم  .لا يمكن للشعوب أن تنسى من صمتوا إبان الشدة بإرادتهم و بغير إرادتهم  و لو رجع الزمن بهذا الشعوب إلى تلك الفترة لحرقت  كثيرا من  تلك الصحف و رمتها في المزابل لأنها تذكرهم بماض كريه صمت فيه من كان الأولى بهم أن يتكلموا  ، من العجب  أنه لا أحد اليوم يستذكر تلك الأيام أو يأتي على سيرتها  و من العجب أنه لا أحد فكّر في تخصيص يوم ” نحتفل ” فيه يكون عنوانه ” يوم الصمت ”  كما تحتفل بقية الشعوب بالذكريات الأليمة التي عاشتها ، إن إنعاش الذاكرة الوطنية مهم حتى لا تتكرر المأساة و نتعلم الدرس لكن من ينظر اليوم للساحة الإعلامية و ما يسمى بإعلام الشاطحين الرداحين يدرك بمنتهى السهولة أنه ما أشبه اليوم بالبارحة بل ما أشبه وجوه الإعلام بنفس تلك الوجوه التي صمتت و عادت الآن إلى المشهد كأن شيئا لم يكن في محاولة لاسترداد عذرية أخلاقية ستبقى مفقودة إلى الأبد .

مواضيع ذات صلة