إلى الحقوقيّ فتحي الهمّامي : رِفقًا بصفاقس! سليم مصطفى بودبوس

إلى الحقوقيّ فتحي الهمّامي : رِفقًا بصفاقس! سليم مصطفى بودبوس

3 جويلية 2023، 18:32

نشر فتحي الهمّامي العضو الأسبق في الهيئة المديرة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في موقع (أنباء تونس kapitalis) بتاريخ 25 جوان الماضي مقالا بعنوان (في تونس: أفريقيون ضدّ الأفارقة!). وانتصب، باسم حقوق الإنسان، مدافعا عن حقوق الأفارقة جنوب الصّحراء ووجودهم في تونس عموما وصفاقس خصوصا، ومستنكرا على أهل صفاقس مطالبتهم بضبط هذه الأفواج البشرية القادمة إليها من كلّ حدب وصوب، واكتفى بتناول المسألة من زاوية واحدة… وإذْ لا نشكّ في قيمة طرحه من زاوية حقوقية إنسانية، فإنّنا نخالفه الرأي في هذا الطرح الأحاديّ لمسألة متشابكة معقّدة.
أمّا وأنّ المقال تناول المسألة من منطلق حقوق الإنسان، أَفَلَمْ يكن من الأجدر أن يعالج سبب أزمة أفارقة جنوب الصحراء ويدافع عن حقوقهم المسلوبة في بلدانهم وثرواتهم المنهوبة غربا وشرقا وهم يعانون الجوع والخصاصة ويلجؤون إلى قوارب الموت من بوابة السواحل التونسية؟… أليس هذا من حقوق الأفارقة جنوب الصحراء؟ ألم يكن من الأجدر به -حقوقيا- أن يدافع عن حقّ توطينهم في بلدانهم وتوفير موارد الرزق لهم وتمكينهم اقتصاديا واجتماعيا؟

وينعت الكاتب من يعارض “حقّ الأفارقة جنوب الصحراء الوافدين بطريقة غير شرعيّة في البقاء في تونس عموما وصفاقس خصوصا” بالعنصريّين المتبنّين لخطاب الكراهية والتّنمّر… ولا شكّ أنّنا نتّفق مع الحقّ في نبذ الكراهية والعنصرية والتّنمّر؛ وصور التعايش الموجود بين سكان مدينة صفاقس منذ القدم ومَنْ سَكَنها من أصول أوروبية وإفريقية وعربية وبربرية خير شاهد ودليل على التعايش السلميّ في إطار قانوني بين المواطنين.
والإشارة في المقال إلى مصطلح (الملوّنين) أيْ ذوي البشرة السوداء حين يقول الكاتب: “إلام هذه الكراهية للمُلَوَّنين”، لا معنى لها في صفاقس والكاتب أدرى بها؛ فأهل الجهة منذ قديم الزمان مختلطو البشرة، متعدّدون عرقيا، وقد تصاهرت العديد من العائلات ممّن يُصطلحُ عليهم حقوقيّا “مُلوّنين” بغيرهم من العائلات في صفاقس.

ويعيب المقال على من يدعو إلى إنقاذ الولاية من هذه الموجة غير المسبوقة من الهجرة غير المنظّمة نكرانهم لأصولهم الإفريقية والإنسانية مستشهدا بالتاريخ والجغرافيا وعلم الجينات والموسيقى وأغاني علي الرياحي واسطنبالي وغيرها… ويستنكر على أهل مدينة صفاقس هذا الجحود لأمّهم إفريقيا ويستغرب من انزعاج البعض من استجمام الأفارقة جنوب الصحراء في مياه نافورة باب الجبلي في الحرّ وانتصابهم الفوضوي على قارعة الطريق ليكسبوا رزقهم في سوق باب الجبلي.. وكأنّ هذا المشهد روعة في الجمال ومجلبة للسياحة وعماد للاقتصاد الوطني!!
ما رأيك لو وزّعناهم، عزيزي الحقوقيّ، بين المدن التونسية بالحقّ والعدل والإنصاف، بما أننا كما تفضّلت في مقالك: “ننتمي إلى نفس القارة … إلى نفس الأم… إلى الإنسانية” فيذهب عشرة آلاف منهم إلى بوجعفر لينعشوا السياحة، ومثلهم إلى المرسى وبوسعيد لتنشيط الحركة التجارية من خلال الانتصاب الفوضويّ، وآخرون إلى طبرقة أو جربة أو القيروان لعلّهم يكونون رافعة لاقتصادنا المنهار.
أليس من الأجدر أن نستنكر على من جعل حدود تونس مستباحة برا وبحرا؟ أليس من الحقوق الوطنية المحافظة على حدودنا وسلامة ترابنا؟ أليس من الأحرى أن نستنكر على من يرميهم في الموانئ ويطلق لهم العنان للتوجّه إلى صفاقس دون غيرها، ودون أن يتمّ فحصهم صحيّا، ودون تنظيم إقامتهم وتعرّف بياناتهم الشخصية؟ كيف يمكن الآن السيطرة عليهم؟ ألا يمكن أن يكون فيهم إرهابيون مندسّون؟ أو عملاء لجهات معيّنة تريد الضرر بتونس؟ أو مصابون بأمراض معدية؟
العزيز فتحي الهمّامي: ألا يكفيها ما تعاني صفاقس منذ الاستعمار إلى اليوم مرورا بالدولة الوطنية فالنوفمبرية فالثورجية؟… ألم تتألّم مثلنا من آثار انتصاب SIAPE وNPK وغيرها في الجهة وما سبّبته من إصابات بداء السرطان؟ أين حقوق أهل صفاقس عندما قضّوا سنتين أو أكثر من الإهمال والحرمان من البيئة النظيفة والهواء النقيّ بسبب عجز الدولة عن إيجاد حلول لمصبّات النفايات رغم التدخل المباشر للرئيس؟ أليس هذا من حقوق الإنسان؟ أم أنّ صفاقس الملوّثة أصلا على حدّ تعبيرك في المقال: “مشاعر كُرْه تنتشر في أجواء صفاقس الملوّثة أصلا فتزيدها تلوّثا” لا يجدر بها إلا أن تكون ملوّثة في تقديرك؟ أو ليس من حقها أن تكون نظيفة؟
من حقك أيها الحقوقيّ أن تدافع عن حقّ الإنسان أينما كان بل هذا هو الواجب فأفارقة جنوب الصحراء كأفارقة شمالها “مَجْنيّ عليهم، ضحايا لمنظومة غير عادلة”، فهل تتحمّل تونس عموما وصفاقس خصوصا فاتورة هذه المنظومة المحلية والعالمية غير العادلة؟ وهل تعلو الحقوق الإنسانية والكونية على المصلحة الوطنية والأمن القومي؟ فَرِفقًا بنا يا رفيق!

مواضيع ذات صلة