التعليم في تونس: محاولات إصلاح استعراضية، وواقع صعب، ومستقبل مجهول…ناجح  الصّيد

التعليم في تونس: محاولات إصلاح استعراضية، وواقع صعب، ومستقبل مجهول…ناجح الصّيد

14 أكتوبر 2026، 20:45

حين تتحوّل الإصلاحات إلى شعارات، وتبقى المدرسة وحدها في مواجهة الأزمات

لم يعد الحديث عن أزمة التعليم في تونس مجرّد تشخيص لخلل عابر أو اعتراف بصعوبات ظرفية، بل أصبح حديثًا عن أزمة عميقة تمسّ مستقبل البلاد، وتطرح أسئلة جوهرية حول الخيارات التربوية، والسياسات العمومية، ومدى جدية الإرادة السياسية في إنقاذ المدرسة العمومية من التراجع.

ففي الوقت الذي تتعالى فيه الشعارات حول الإصلاح والتطوير والتحديث، يعيش الواقع التربوي على وقع أزمات متراكمة، تتجلى في تدهور البنية التحتية لبعض المؤسسات التربوية، ونقص التجهيزات والوسائل التعليمية، و الاكتظاظ  وتفاقم الصعوبات التي يواجهها المدرّسون، فضلًا عن تنامي الفجوة بين البرامج التعليمية ومتطلبات عالم يتغير بوتيرة متسارعة.

وهنا يحقّ لنا أن نتساءل: هل نحن أمام إصلاح تربوي حقيقي يعالج جذور الأزمة، أم أمام محاولات متفرقة تكتفي بتجميل الواجهة، بينما يظلّ البناء من الداخل مهدّدًا بالتصدّع؟

إصلاحات على الورق… وأزمة في الميدان

إنّ الإصلاح التربوي ليس مجرّد تغيير في البرامج أو إصدار المناشير أو الإعلان عن مشاريع جديدة، كما أنّه لا يُقاس بعدد الندوات والتصريحات والوعود، بل بمدى انعكاسه على الحياة اليومية داخل الفصل الدراسي.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من تشخيص صريح للاختلالات، ويقوم على رؤية وطنية واضحة، وأهداف قابلة للقياس، وخطة تنفيذ واقعية، وموارد مالية وبشرية كافية، مع تقييم دوري للنتائج ومحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات.

أما حين تتعاقب المبادرات دون استمرارية، وتتغير التوجهات بتغير المسؤولين، وتُعلن المشاريع قبل توفير شروط نجاحها، فإنّ الإصلاح يصبح أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى تجاوزها.

والأخطر من ذلك أن يتحوّل الخطاب الرسمي إلى صورة وردية لا تعكس دائمًا ما يعيشه المدرّس والتلميذ داخل المؤسسة التربوية؛ فتتسع المسافة بين ما يُقال في المكاتب وما يحدث في الأقسام.

المدرّس… الحلقة التي يُطلب منها إنقاذ الجميع

لا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم دون الحديث عن المدرّس، فهو ليس مجرّد منفّذ لبرنامج أو ناقل لمعلومات، بل هو أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها أي مشروع تربوي ناجح.

ومع ذلك، يجد عدد من المدرّسين أنفسهم أمام ظروف مهنية واجتماعية صعبة، تتداخل فيها الضغوط الإدارية، وتحديات القسم، ومشكلات التجهيزات، وتزايد الأعباء، فضلًا عن قضايا الأجور والترقيات والاستقرار المهني والاجتماعي.

وفي بعض الحالات، تتحول المسافة بين مقرّ العمل ومقرّ السكن إلى عبء يومي يستنزف الوقت والطاقة، ويحرم المدرّس من ساعات ثمينة كان يمكن أن يقضيها مع أسرته أو يستثمرها في تطوير مهاراته وإعداد دروسه.

ولعلّ من أكثر المفارقات إيلامًا أن نطالب المدرّس بتكوين أجيال قادرة على الإبداع والابتكار، في حين لا نوفر له دائمًا البيئة المهنية التي تساعده على الإبداع، ولا المكانة الاجتماعية التي تعكس قيمة رسالته.

إنّ الدفاع عن كرامة المدرّس ليس دفاعًا عن فئة مهنية فحسب، بل هو دفاع عن جودة التعليم وعن حقّ التلميذ في مدرسة قادرة على أداء رسالتها.

المدرسة العمومية… بين مبدأ تكافؤ الفرص وواقع التفاوت

لطالما مثّلت المدرسة العمومية في تونس أحد أهمّ روافع الارتقاء الاجتماعي، ووسيلة أساسية لتمكين أبناء العائلات محدودة الدخل من تحسين أوضاعهم وبناء مستقبل أفضل.

لكنّ التفاوت في الإمكانات بين المؤسسات والمناطق، واختلاف فرص النفاذ إلى التجهيزات والموارد التعليمية، وتنامي الاعتماد على الدروس الخصوصية لدى بعض الأسر، كلها عوامل تطرح أسئلة جدية حول مدى تكافؤ الفرص بين التلاميذ.

فليس من العدل أن تتحدد فرص النجاح الدراسي، جزئيًا، وفقًا لقدرة الأسرة على توفير الدعم الخارجي أو وفقًا للمؤسسة التي يدرس فيها الطفل والمنطقة التي يعيش بها.

وحين تعجز المدرسة العمومية عن توفير الحدّ الأدنى المتكافئ من شروط النجاح، فإنّها تخاطر بفقدان جزء من دورها التاريخي في الحدّ من الفوارق الاجتماعية.

إنّ إنقاذ المدرسة العمومية لا يتحقق بالشعارات، بل بتوجيه الاستثمار إلى المؤسسات الأكثر احتياجًا، وتحسين ظروف التعلم، ودعم التلاميذ المتعثرين، وتوفير التجهيزات الحديثة، وضمان توزيع أكثر عدلًا للإمكانات البشرية والمادية.

تعليم في عصر الذكاء الاصطناعي… بإمكانات لا تواكب التحوّل

في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا والبرمجة والذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية عناصر أساسية في الاقتصاد والمعرفة، لم يعد مقبولًا أن يظلّ تطوير التعليم رهين مقاربات تقليدية لا تواكب التحولات المتسارعة.

إنّ إعداد تلميذ اليوم لا يعني فقط تمكينه من استظهار المعلومات واجتياز الامتحانات، بل يعني تعليمه التفكير النقدي، وحلّ المشكلات، والعمل الجماعي، والتواصل، والتعامل المسؤول مع التكنولوجيا.

ويقتضي ذلك مراجعة البرامج والمقاربات البيداغوجية، وتطوير التكوين الأساسي والمستمر للمدرّسين، وتوفير البنية التحتية الرقمية، وضمان النفاذ العادل إلى الموارد التعليمية الحديثة.

كما يتطلب الأمر ألّا يُختزل إدماج التكنولوجيا في اقتناء بعض المعدات أو إطلاق منصات رقمية، بل أن يصبح جزءًا من رؤية تربوية متكاملة تغيّر طريقة التعلّم والتقييم، وتمنح التلميذ دورًا فاعلًا في بناء المعرفة.

فكيف يمكن أن نعدّ أبناءنا لمهن المستقبل إذا لم نمنحهم الأدوات والمهارات التي يتطلبها ذلك المستقبل؟

غياب الاستمرارية… من يدفع الثمن؟

من أبرز التحديات التي تواجه الإصلاح التربوي ضرورة بناء سياسة تعليمية طويلة المدى، تتجاوز الحسابات الظرفية والتغيّرات الإدارية.

فالتعليم قطاع لا تظهر نتائجه الحقيقية في بضعة أشهر، بل يحتاج إلى رؤية تمتدّ لسنوات، وإلى تقييم علمي مستقلّ، وإلى استعداد للاعتراف بالأخطاء وتصحيحها.

ولا يمكن لأي إصلاح أن ينجح إذا لم يشارك فيه المدرّسون والخبراء والأولياء والتلاميذ، كلّ من موقعه، وإذا لم يستند إلى معطيات دقيقة تكشف مكامن الخلل وتحدّد الأولويات.

إنّ إصلاح التعليم ليس قرارًا إداريًا ينزل من أعلى، بل مشروع وطني تشاركي يتطلب الثقة والشفافية والاستمرارية.

والأجيال التي تقضي سنواتها داخل المدرسة لا يمكنها استعادة الزمن الذي ضاع بسبب إصلاحات متعثرة أو قرارات غير مدروسة. فكلّ سنة دراسية تمرّ دون معالجة جادة للاختلالات قد تخلّف آثارًا تتجاوز جدران المؤسسة التربوية إلى سوق الشغل والمجتمع والاقتصاد.

أيّ مستقبل نريد لأبنائنا؟

إنّ مستقبل التعليم في تونس ليس مجهولًا بالضرورة، لكنه يصبح أكثر غموضًا كلما غابت الرؤية الواضحة، وتأخرت معالجة المشكلات الأساسية، واستمرّ التعامل مع الأزمات بمنطق الحلول الظرفية.

ولعلّ البداية الحقيقية تكون بالإجابة عن أسئلة واضحة:

– ما المدرسة التي نريدها لأبنائنا خلال السنوات العشر القادمة؟

– كيف نضمن تكافؤ الفرص بين تلميذ المدينة وتلميذ الريف؟

– كيف نستعيد ثقة المدرّس في مؤسسته وفي جدوى الإصلاح؟

– كيف نربط التعليم بالتحولات العلمية والتكنولوجية دون التفريط في دوره الإنساني والتربوي؟

– وكيف نضمن ألّا يتحوّل المستوى الاجتماعي للأسرة إلى عامل حاسم في مستقبل أبنائها الدراسي؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل هي جوهر أي نقاش جدي حول مستقبل البلاد.

: لا إصلاح دون إرادة حقيقي

إنّ المدرسة ليست مجرّد مؤسسة لإنتاج الشهادات، بل هي الفضاء الذي تتشكّل فيه شخصية المواطن، وتتأسس فيه قيم المواطنة والعمل والمسؤولية، وتُبنى فيه الكفاءات التي يحتاجها المجتمع.

وحين يتراجع التعليم، لا تكون الخسارة محصورة في نتائج الامتحانات أو ترتيب المؤسسات، بل تمتدّ إلى قدرة البلاد على إنتاج المعرفة، وتحقيق التنمية، وتقليص الفوار الاجتماعية، والاستعداد للمستقبل.

لذلك، فإنّ المطلوب اليوم ليس إصلاحًا استعراضيًا يلمع في الخطابات، ولا تغييرات شكلية تُقدَّم باعتبارها إنجازات، بل مشروعًا وطنيًا جادًا يعيد الاعتبار للمدرسة العمومية، ويحفظ كرامة المدرّس، ويوفر للتلميذ شروط التعلم والنجاح.

فالتعليم لا يُصلح بالشعارات، ولا تُبنى الأجيال بالوعود، ولا يُصنع المستقبل بقرارات مؤقتة.

إنّ مستقبل تونس يبدأ من قسم دراسي تتوفر فيه شروط التعلم، ومن مدرّس يشعر بأنّ جهده مقدّر، ومن تلميذ يؤمن بأنّ اجتهاده قادر على فتح أبواب المستقبل.

وإذا كانت الأوطان تُقاس بما تملكه من ثروات، فإنّ مستقبلها يُقاس أيضًا بما تمنحه لأبنائها من معرفة وفرص وأمل.

فهل نملك الشجاعة لتحويل إصلاح التعليم من شعار متكرر إلى مشروع وطني حقيقي؟ أم سنواصل تأجيل الحلول، بينما تدفع الأجيال القادمة ثمن الانتظار؟

مواضيع ذات صلة