
الجريمة والعقاب.. قصة الإنتقام الإسرائيلي من الانسان الفلسطيني …
يندرج هذا المقال في سلسلة المقالات التي تغطي و تواكب الأحداث الدامية و النهج البربري و الوحشي و الهمجي الذي تتوخاه ” زعيمة الإرهاب اليومي ” مستندة في ذلك على آلة الحرب الأمريكية و الغربية و دليلنا في ذلك إرسال أكثر من ألفي جندي من البحرية إلى إسرائيل تزامنا مع زيارة الرئيس بايدن يوم الأربعاء 19 أكتوبر إلى تل أبيب و تقديمه الدعم السياسي و المالي لها. أكتب هذا المقال و قد فاق عدد الشهداء الفلسطينيين 3000 آلاف أكثر من 60% منهم من الأطفال و النساء. يوم الإثنين الماضي 16 أكتوبر، لوحده شهد إستشهاد أكثر من 200 مدني.و أكثر من 500 شخص يوم الثلاثاء 17 أكتوبر الماضي، في مستشفى المعمداني بالقطاع.
و لنتذكر فقط أن الشهيد محمد الدرة قد لحق به ما تبقى من إخوته شهداء عند الرفيق الأعلى. على المستوى الدولي يتواصل الحراك السياسي و الديبلوماسي، حيث أفشل الفيتو الغربي قرارا روسيا يدعو لوقف العدوان و إدانته. بينما أدانت الجامعة العربية مجزرة مستشفى المعامدة و اعتبرتها جريمة حرب رغم أنها لم ترتق إلى حد الساعة في موقفها بسبب تطبيع بعض الدول إلى مستوى ما ينتظره منها الشعب الفلسطيني الشقيق عندما ساوت بين الطرفين ، حسب تصريح لأستاذ القانون و العلاقات الدولية بالجامعة التونسية عبد المجيد العبدلي . و يبدو الموقف التونسي الرسمي و الشعبي الأكثر لفتا للإنتباه و للإشادة به. و تتواصل المسيرات في مختلف الدول العربية و دول أوروبية منددة بالعنوان الهمجي على القطاع. دون أن ننسى ما تتعرض له الضفة الغربية من حصار مطبق و قتل من طرف المستوطنين المتطرفين و حملات اعتقال على مدار اليوم. و الغريب بل الأكثر استهجان هو موقف الرئيس محمود عباس المندد و الذي يلقي باللائمة على حركة حماس بدل التكاتف و التآزر و توفير الدعم السياسي و الديبلوماسي لكل فصائل المقاومة.
عملية ” السيوف الحديدية ” الصهيونية و التي تأتي ردا على عملية ” طوفان الأقصى ” التاريخية و البطولية لم تستثن لا صحفيا حيث استشهد 14منهم في غزة و جنوب لبنان و لا مسعفين حيث إستشهد 7 منهم في يوم واحد. حرب بلا هوادة على البشر و الحيوان و الشجر و المنشآت و الممتلكات. عملية إبادة في حق الإنسان الفلسطيني لم يشهد لها العالم مثيلا، حيث ألقيت أكثر من 6000 قنبلة خلال الأيام الأولى فقط و حملة شعواء من الكذب و الافتراء و الادعاء الباطل و الزور و الضحك على الذقون يمارسها ساسة إسرائيل و ماكيناتهم الإعلامية الضخمة السافرة و الخسيسة مثل كذبة قتل حماس ل60رضيعا و هو خبر صدقه الرئيس الأمريكي بايدن ثم تراجع بعد ذلك عنه بعد أن دحضه صحفي إسرائيلي.
نعوت قبيحة و ذميمة منافية كليا للأخلاق الكونية و لدولة تدعي الحضارة و الديمقراطية و للحقيقة، لأبطال المقاومة الفلسطينية تشبههم فيها بالحيوانات . وهي تعبيرات تنم عن حقد دفين لكل ما هو عربي و مسلم و خصوصا لكل فلسطيني على وجه الخصوص. عملية ازدراء و احتقار و مس بكرامة و بالحرمة الدينية و الجسدية للفلسطيني المدافع عن حقوقه المغتصبة.
إن من يحكم الكيان الصهيوني هي عصابة فاسدة يقودها نتان ياهو المدعوم من زمرة من المتطرفين الذين لا خبرة سياسية لهم و لا تزال تطالبه قوى المعارضة بالتنحي و تتوعده بحساب عسير مثلما صرح بذلك أولمرت.
وسنستعين لفهم سيكولوجية القاتل الإسرائيلي بأفكار الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو وهو يهودي سافاردي، من خلال ورقة بحثية من إعداد أشواق خنوس و الدكتور عبد المالك عيادي بعنوان ” الجسد بين العقاب و التعذيب : قراءة في فلسفة ميشال فوكو ” . و قد ارتبطت فلسفة فوكو ( 1926-1984 )، بمختلف تقنيات القمع و العنف و حلل الظواهر السلطوية بطريقة أركيولوجية جينيالوجية. ففلسفة فوكو في جوهرها نضال ضد أشكال الهيمنة و الاستغلال و الخضوع و نضال ضد ضد كل تمركز للفكر و للممارسة لتكون الغاية منه القبض على تلابيب الإنسان ( تريكي، ص ص 97-98 ).فمحنة الجسد الفلسطيني محنة ما بعدها محنة بسبب الإقصاء و الرفض إضافة إلى الحجز و العزل مما يشير إلى فوبيا الجسد الفلسطيني.
إن العقل الصهيوني عقل عدواني، عنصري و انتقامي يصنف الفلسطيني خارج دائرة الإنسانية بينما يعلي من شأنه بناء على تلك العبارة المغلوطة ” شعب الله المختار ” ، و هو يشبه ما فعله النازيون في ألمانيا الهتلرية ضد اليهود أنفسهم.
و في الحقيقة العداء الصهيوني للفلسطيني هو عداء و كراهية ضد كل العرب وهو ما بؤكده الصحفي شموئيل غوردون من صحيفة معاريف في مقال بتاريخ 9 سبتمبر سنة 2003 بعنوان : بسبب نتائج الصراع المتواصل بين الشعبين الشعب الإسرائيلي عنصري تجاه العرب بجمعهم، حيث يقول : ” عندما يتصدع غطاء الثقافة الغربية، تبرز رواسب عميقة من اللاعبين كنوع من العنصرية. في صالونات عشية السبت، في ملاعب كرة القدم و في الأسواق، يسمع توجه مرير و عنصري يستعمل تعبيرات مثل : أنهم قتلة، لا أخلاقيون، يقتلون بناتهم، ينتقمون، الإرهاب هو سياستهم، لا تجب الثقة بكلمتهم، الورقة التي يوقعون عليها الاتفاقات لا تساوي ثمنها. بكلمات أخرى، ” وجهات نظر ” تذكر بالصحيفة اللاسامية ” دير شتيرمر “. و أحيانا تكون النظرات أكثر قسوة. في تقارير تلفزيونية من مواقع العمليات التفجيرية ببث حي ترى و تسمع أقوال قاسية مثل ” الموت للعرب “، ” العربي الجيد- هو العربي الميت “.
الكراهية لاشخاص معينين، مثلا المخربين، تتحول إلى عنصرية عندما تتوجه الكراهية إلى جمهور كامل. أن الأصعب من كل شيء هو أن إسرائيليين كثيرين بدأوا يفكرون بأل التعريف، أي ” العرب ” بمعنى جميع العرب، جميعهم نفس الشيء.
و في خضم هذه الهجمة الشرسة على المواطن الفلسطيني، يظهر جليا أهمية الدور الذي يمكن و يجب أن تلعبه ” الأنتلجنسيا ” العربية كرافد للمقاومة المسلحة و أشير هنا بكل موضوعية إلى موقع” رأي اليوم ” الذي يضم نخبة من كبار الكتاب و الصحفيين و المثقفين و الديبلوماسيين و النشطاء السياسيين و المفكرين و عديد المواقع و الفعاليات الثقافية العربية الأخرى داخل و خارج الوطن العربي الكبير المناهضة للتطبيع.
و في ما يلي ورقة بحثية لجامعة بير زيت صادرة عن معهد أبو لغد للدراسات الدولية. و أبو لغد هو مثقف فلسطيني مهجر منذ سنة 1948، ينال من الولايات المتحدة الأمريكية بالقلم و اللسان دفاعا عن القضية الفلسطينية. و قد مجده و عدد خلاله المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد و ذكر بإنجازاته على أرض الواقع كمؤسس رابطة الخريجين العرب في الجامعات الأمريكية.
و تحاول هذه الورقة التركيز على دور المثقف و علاقته بالسلطة. و في هذا الصدد، يقول أنطونيو غرامشي كونه مرجعا أن ” وظيفة المثقف أو المفكر في المجتمع لا يقوم بها كل الناس ” ( سعيد 2006، 32) فغرامشي أعطى دورا مهما للمفكر في إطار طرحه لموضوع الهيمنة بأشكالها المختلفة و خاصة الإيديولوجية منها، مفرقا بين دور المثقف في البروليتاريا و البورجوازية، إذ لكل منهما أسلوبه. و المثقف الحقيقي، هو من يكرس حياته و يغوص في الدفاع عن المجتمع ( الجميل 2007 ).
الخلاصة هنا أن المثقف الذي لا يتحسس آلام شعبه لا يستحق لقب المثقف.
بدوره ميشال فوكو طرح تصورين للمثقف هما المثقف العالمي و المتخصص. و قد اعتبر فوكو أن المثقف اليوم، يحمل طابع المثقف الخاص و ليس العام ( سعيد 2006، 41-42 ). أما ادوارد سعيد ( 2006، 43 ) فيرى أن المثقف فرد ” يتمتع بموهبة خاصة تمكنه من حمل رسالة ما، أو تمثيل وجهة نظر ما، أو موقف ما… و تجسيد ذلك و الافصاح عنه إلى مجتمع ما و تمثيل بإسم هذا المجتمع “. إن المثقف الحقيقي ليس ذلك الذي يجلس في برجه العاجي، و إنما باختصار، و كما يقول سعيد ( 1996، 91-106 ) المثقف الحقيقي هو الذي يقول الحق في وجه السلطة، إذا فالمواقف هو القادر على رفع صوته عاليا دون أن تقدر السلطة على إخماده.
و في ظل تواطؤ و صمت النظام الرسمي العربي أمام سلطة الإرهاب و القهر الصهيونية، لا بد و أن يعلو صوت المثقفين العرب و يسجلوا حضورهم بقوة و لو بالكلمة و القلم كما أشاد و نادى بذلك أبو عبيدة الناطق الرسمي بإسم كتائب الشهيد عز الدين القسام.
و من خلال مقالة منشورة عام 1975، بعنوان ” الإعلام العربي و اجتياح الحصار الإعلامي الأمريكي- الصهيوني في أمريكا ” ينتقد أبو لغد الحداثة و يفند ضعف الخطاب العربي مقابل الخطاب الأمريكي و الصهيوني مشيرا إلى طريقتين للمقاومة: الأولى هي التي أعتقد بعافيتها في التأثير على السياسة الأمريكية و التي تتمثل في توجيه ضربات أليمة للولايات المتحدة الأمريكية، و هو الخيار الناجح باعتبارها معقل اللوبي الصهيونيالمالي و الإعلامي الداعم لإسرائيل. و لكن يرى أيضا أن هناك طريقا آخر للمقاومة يتمثل في تجميع الفئات الشعبية الأمريكية التي يستغلها النظام الأمريكي الحاكم و الذي يستفيد من وجود إسرائيل و الصهيونية ( أبو لغد 1975، 165 ). ففي ضوء غياب الضربات الموجهة للصالح الأمريكية تبقى الكلمة و الخطاب الإعلامي هما البديل المطروح للرد على الهيمنة و هو الدور الحالي الذي تقوم به قنوات إخبارية عربية دولية معروفة مثل الجزيرة و الميادين و المنار و روسيا اليوم و غيرها في ربوع الوطن العربي من تغطية آنية و فورية رغم الضغوطات و التهديدات الصهيونية لعديد الصحفيين و المصورين.
و يربط أبو لغد القضية الفلسطينية بجميع القوى المضطهدة في الولايات المتحدة، فالصراع في نظره يأخذ شكلا و إطارا أوسع، إنه صراع و مقاومة تحشد فيها الطاقات ضد النزعة الاستغلالية و المركزية الاستعمارية. لقد قدم أبو لغد بكتاباته خطابا قويا موجها لتفكيك الاستعمار، رافضا الرواية التاريخية الصهيونية و الغربية.
و نختم مقالتنا بهذه الآيات الكريمة من سورة المعارج ” يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه و صاحبته و أخيه و فصيلته التي تئويه و من في الأرض جميعا ثم ينجيه كلا إنها لظى نزاعة للشوى..” و ما أقصده أن أفعال الإسرائيليين تجاه الفلسطينيين العزل سيحاسبون عليها حسابا عسيرا و سيعرفون الويلات و الهزائم بإذن الله تعالى خصوصا و أن الحرب البرية باتت وشيكة و قلوبنا مع المقاومة الفلسطينية و مع شعبنا في فلسطين من أجل دحر العدو الظالم.
ياسين فرحاتي – كاتب من تونس