الدكتورعبد القادر بالحاج نصر:صفاقس ولاّدة في كلّ مجالات الفنّ والأدب والفكر والثّقافة-2-

الدكتورعبد القادر بالحاج نصر:صفاقس ولاّدة في كلّ مجالات الفنّ والأدب والفكر والثّقافة-2-

3 أبريل، 18:30

الدكتور عبد القادر بن الحاج نصر كاتب معاصر غني عن التعريف غزير الإنتاج رغم عراقيل النشر ورغم اللوبيات المسيطرة على الثقافة في تونس ذو خلق رفيع وتواضع جمّ.. تجربته في الكتابة فاقت نصف قرن.. حبا في الأدب والكتابة وانتصارا للعلم والثقافة نجري معه هذا الحوار الشائق الذي أخلص فيه أديبنا الإجابة عن كل الأسئلة دون قيد أو تحفّظ معطيا من ثمرة تجربته الفكرية والأدبية الكثير ونقدم اليوم الجزء الثاني من الحوار

14-            يبدو جليّا أنّ د. عبد القادر منتصر للّغة العربيّة السّلسة ولا يميل إلى التعقيد على غرار المعرّي أو الشّعر الجاهليّ.. أهو خيار منك مقابل من يحبّ استعراض عضلاته اللّغويّة أمام المتقبّل فيعقّد مأموريّته وينفره من القراءة أو الدّراما أو المسرح أو السينما ؟

– أين نحن يا سيّدي من لغة المعرّي وأبو حيّان التوحيدي والشّعر الجاهليّ.. إنّ بيننا وبين تلك اللّغات مئات السّنين.. إنّ اللّغة كائن حيّ ينمو ويتطوّر ويتغيّر كما يتغيّر كلّ شيء، إنّما المطلوب هو التّطوّر إلى الأفضل وإلى الأجمل وإلى ما يتماشى مع المجتمع الذي نعيش فيه ونكتب، إنّ الآفة الأولى لأساليب الكتابة وجماليتها هو التّحنّط، وثانيها هو الإساءة إليها بالتّعدّي على قدسيّتها وخصوصيّتها وجماليّتها.

إنّ الكاتب المبدع يجب أن يضخّ في اللّغة “دماء” جديدة حارّة تمكّنها من الحياة والاستمرار ومواجهة الغزو الثّقافيّ الذي نراه سيفا يشهر فوق رقابنا بواسطة وسائل حديثة لا حدّ لها.. وإنّنا نستخدم هذه الوسائل لا للإثراء والتّنويع والارتقاء بمكاسبنا الثّقافيّة وإنّما للتّعدّي عليها وتشويهها.

15-            إلى أيّ مدى تكون أهمية اختيار العنوان ؟ أيجب أن يكون ملخّصا للقصّة أم يجب أن يكون جزءا صغيرا منها قليلا حتّى يتفاجأ القارئ بأحداث غير التي توقّعها من خلاله ؟

– لكلّ طريقته وتوجّهه في وضع العنوان.. وإنّي لا أعتقد أنّ وضع العنوان يتطلّب فلسفة وإنّما هو يولد من باطن الأثر الأدبيّ ليكون الإشارة الدّالّة على المضمون وقد يأخذ العنوان حيّزا من التّفكير من لدن الكاتب حتّى لا يكون في واد والنّصّ الأدبيّ في واد آخر.

16-            اختيار أسماء الشّخصيّات ليس اعتباطيّا فعندما نسمّي البطل رابح أو ناجي أو ريم فإنّنا نرمي إلى معنى الاسم أو نقيضه أليس كذلك ؟

– إنّ اختيار الشّخصيات وأسمائها قضيّة هامّة تتطلّب من السّارد، قصّة أو رواية، التّركيز جيّدا عليها لتكون هي الأخرى أقرب ما يكون للتّعبير عن القضيّة المطروحة في النّص الإبداعيّ، أي أن يكون هناك تكامل نسبيّ بين الاثنين.

17-            هل تحبّذ الكتابة بالرّموز والإشارات والايحاءات كما يفعل المقفّع ولافونتان وغيرهما؟

– لا أظنّ ذلك.. ليس هدفا استعمال الرّموز والإشارات والايحاءات وإنّما هي وسائل للابتعاد عن الجفاف واليبس في الأسلوب.. إنّ الكتابة السّرديّة فنّ يتطلّب عمليّة إبحار متواصل في الأدوات التي تثري الكتابة وترتقي بها إلى مستوى الإبداع.

18-            هل تركّز كثيرا على عنصر المفاجأة في كتاباتك خاصّة في خاتمة القصة ؟

– إنّ المفاجأة ليست خاصّة بالخاتمة، وإنّما في كلّ مراحل العمل السّرديّ.. إنّ القصّة والرّواية تنبني مساراتها على صراع يقوم بين الشّخصيّات أو بين الشّخصيّة ومحيطها أو بين الشّخصيّة وعالمها الدّاخليّ.. وإذا لم تعتمد على إحداث المفاجأة في مسار الأحداث وفي العلاقات بين الشّخصيّات وفي تحوّلات الصّراع فكيف ستشدّ انتباه القارئ، وهنا يكمن الفرق بين عمل ناجح وعمل أقلّ نجاحا.

19-            سؤال يمكن لك تجاوزه أو إجابتي عنه دون نشر الإجابة.. أتكتب من مسودّة أم تخطّ أفكارك مباشرة على الورق؟ هل نستطيع التّعرّف على مراحل العمل؟ وهل لكلّ طريقته في الكتابة؟

– إنّي أخطّ مباشرة على الورق وإنّني أعتمد على الورق منذ أن بدأت الكتابة، وإنّني أقسّم الورقة إلى نصفين وإذا لم أفعل ذلك فإنّي أتوقّف عن الكتابة من السّطر الأوّل.. أمّا معرفة مراحل العمل قبل الشّروع في الكتابة فلا.. لقد قلت في أكثر من موضع أنّني أكتب بطريقة وحشيّة أي أنّني أكاد لا أفكّر ولا أتوقّف عن الكتابة إلاّ قليلا، ولا أضع مسارات ولا ملامح شخصيّات ولا قضايا محدّدة لا أحيد عليها.. كلّ الشّخصيّات والأحداث والقضايا والصّراعات وما تأتّى من مفاجآت تتوالد من بعضها دون أن أضع القلم جانبا وأتّخذ لنفسي فسحة للتّفكير في كلّ مرّة.. لو يحدث ذلك فإنّ عليّ أن أمزّق الورقة وأضع القلم جانبا وأنتظر واقعا جديدا للكتابة وزمنا آخر.

20-             أسبق لك أن عدّلت القصّة أثناء كتابتها أم أنّك تسطّر أحداثها كاملة قبل أن تبدأها؟

– أنا لا ألجأ أبدا إلى تعديل القصّة أثناء الكتابة، ولا أسطّر أحداثها مسبقا فلو قمت بمثل هذه العمليّة فذلك يعني أنّ القصّة غير مؤهّلة ليكون لها شأن، قد أتوقّف بعض الثّواني لأتنفّس الصّعداء وقد أمحو كلمة أو جملة وأعوّضها بأخرى، وقد أستغني عن فقرة لكن لا أعدّل القصّة أو الرّواية.

21-            هل ندمت مرّة على شيء كتبته وتمنّيت لو تغيّر نهاية القصّة أو إحدى مراحلها مثلا؟

– إنّني دائم التّفكير في ما أكتب بعد أن أتمّ عمليّة الكتابة وخاصّة بعد نشر الرّواية أو المجموعة القصصيّة.. أفكّر لأنّ ما كتبته كان من الممكن أن يكون أفضل ولأنّني أرنو إلى إدراك مستوى أدبيّ متميّز، وقد أكون جانبت هذا المستوى فيما كتبت وهذا يؤرّقني.

22-            بمن تأثّرت من الأدب التّونسيّ والعربيّ والعالميّ؟

– قرأتُ لأغلب الأدباء العالميّين في الشّرق والغرب وقد أعجبت بكتّاب عرب وغير عرب وخاصّة فرنسيّين وروس، لا أعتقد أنّني تأثّرت.. وإذا ما تأثّرت بأحد الكتّاب فإنّ ذلك سيتفطّن له القارئ.. أمّا أنا فلم أشعر بأنّني متأثّر بكتابة أو أسلوب أو شكل كتابة أديب معيّن.. إنّ المتأثر يصبح ظلاّ لغيره وأنا أرفض بقوّة أن أكون ظلاّ لكاتب مهما علا شأنه.

23-            ماهي علاقتك بأدباء صفاقس؟

– أهمّ علاقة وأروعها وأشدّها قوّة كانت مع الأستاذ المبدع مصطفى الفارسي فهو من بين القلائل الذين أخذوا بيدي وتلقّيت منه تشجيعا متواصلا، وهو الذي كتب لي مقدّمة أولى مجموعاتي القصصيّة “صلعاء يا حبيبتي” وكانت مقدّمة هامّة أبرزت خصائص الكتابة القصصيّة لديّ.

إنّني أقرأ لأدباء صفاقس وأحاول أن أكون مسايرا ومتابعا ومستفيدا من كلّ إبداعاتهم.. إنّ صفاقس ولاّدة في كلّ مجالات الفنّ والأدب والفكر والثّقافة.

24-            أكثر من نقرأ لهم في الكتب المدرسيّة والأدبيّة أدباء من عصور سابقة، لماذا قلّ الكتّاب المعاصرون الجيّدون هل هو عصر الكتابات السّريعة مثل الأكلات السّريعة؟

– إنّ هذه القضيّة تعود إلى دوائر وزارة التّعليم وما يصنع فيها وما يحاك من قبل اللّجان التي تبعث لهذا الغرض.. أعلم أنّ الاجتهاد عند هذه اللّجان محدود والاحساس بالكتابات الوطنيّة ضعيف إلاّ عبر العلاقات الشّخصيّة.. ولمن يريد التّأكّد ممّا أقول عليه أن يتثبّت في محتويات هذه الكتب المدرسيّة والنّصوص المختارة من أصحابها وما قيمتهم الأدبيّة وما مدوّنتهم وما إضافاتهم ولماذا لا نخرج من سلطة أدباء الشّرق علينا، وسلطة الصّداقات والمحاباة والتّحيّز.

25-            75 سنة من حياة مليئة بالخبرة والتجربة والكدح في الكتابة.. نهنئك أستاذنا الجليل بعيد ميلادك ونرجو لك دوام الصحة والعافية وأن تواصل إمتاعنا بأدبك الرفيع.. ماهي أحلامك  المستقبليّة؟ وماهي الكلمة التي تودّ أن تقولها في خاتمة هذا اللّقاء؟

– إنّ حلمي الأساسي أن أرى تونس بخير ولن تكون بخير إلاّ إذا رفض الشّعب هذه العصابات الحاكمة التي تعبث في المكتسبات فسادا وهمّها الأساسيّ الاستحواذ على النّفوذ السيّاسيّ والمالي.

إنّ الكلمة الأخيرة التي أقولها في خاتمة اللّقاء هي:

فليحيا الوطن ويسقط المتآمرون على هوّيتنا وثقافتنا وحضارتنا ومكانتنا بين الأمم.

عبد القادر بن الحاج نصر

حاوره سامي النيفر

غدا الجزء الثاني من الحوار

مواضيع ذات صلة

شركائنا