المقامات الواقعة خارج المدينة العتيقة بصفاقس جزءاً مهماً من الذاكرة الدينية…بقلم : محمد جمال الشرفي.
تشكّل المقامات الواقعة خارج المدينة العتيقة من الجهة الجنوبية لصفاقس جزءاً مهماً من الذاكرة الدينية والعمرانية للمدينة، ويبرز من بينها مقام سيدي سعادة ومقام سيدي بلحسن الكراي. ولا تكمن أهمية هذين المقامين في كونهما مجرد فضاءات للزيارة والتبرك، بل في ارتباطهما بتاريخ التحولات الروحية والاجتماعية التي عرفتها صفاقس، وفي ما تختزنه عمارتهما من شواهد على تطور المدينة خارج أسوارها.
يحتل مقام سيدي سعادة موقعاً مميزاً في القسم الجنوبي من المدينة العتيقة، جنوب نهج الباي، المعروف اليوم بنهج المنجي سليم، عند التقاء نهج العيساوية ونهج شبيون. وتشير المعطيات المتداولة حول المعلم إلى أن بناءه يعود إلى سنة 1738، مع ترجيح أن يكون بيت الصلاة أقدم من هذا التاريخ، وربما ممتداً إلى العهد الزيري. وإذا صحت هذه القراءة التاريخية، فإن المقام يقدم نموذجاً لطبقات عمرانية متراكمة، اجتمعت فيها عناصر دينية قديمة مع إضافات وتجديدات لاحقة.
ويرتبط سيدي سعادة بالطريقة العيساوية، إذ يُنسب إلى مريدي الشيخ سيدي محمد بن عيسى المغربي، مؤسس الطريقة العيساوية. وهذا الارتباط لا يمنح المقام بعده الصوفي فحسب، وإنما يضعه أيضاً ضمن شبكة الطرق والزوايا التي كان لها حضور في الحياة الدينية والاجتماعية لصفاقس. فقد كانت مثل هذه المقامات فضاءات تتجاوز الوظيفة التعبدية الضيقة، لتصبح أماكن للذكر والتعليم واللقاء الاجتماعي واستمرار الذاكرة المحلية.
ومن الناحية المعمارية، يتميز مقام سيدي سعادة بتكوين مستطيل يبلغ نحو 15.10 متراً طولاً و12.20 متراً عرضاً. ويضم بيت صلاة قديماً وقاعة داخلية تحتوي على قبر الولي، بينما يستند السقف إلى أعمدة خشبية وأخرى مربعة تحمل تيجاناً تنسب إلى تأثيرات زيرية وإسبانية مغربية. أما الواجهة فتظهر فيها معالجة زخرفية ذات طابع مغربي، ويتوسط الباب الخارجي شباكان كبيران، بما يمنح المعلم حضوراً بصرياً واضحاً داخل النسيج العمراني المحيط به.
ويكشف هذا التنوع في العناصر المعمارية عن إحدى الخصائص المهمة في تراث صفاقس، وهي قابلية المعالم الدينية للتجدد وإعادة التشكيل مع احتفاظها بوظيفتها الرمزية. فالمعلم لا يُقرأ باعتباره بناءً ثابتاً ينتمي إلى لحظة تاريخية واحدة، بل باعتباره وثيقة عمرانية تشكلت عبر مراحل مختلفة، وهو ما يجعل دراسة مواده وأعمدته وزخارفه وطرق بنائه ضرورية قبل الجزم بتاريخ كل جزء من أجزائه.
أما مقام سيدي بلحسن الكراي، الواقع كذلك خارج أسوار المدينة العتيقة من الجهة الجنوبية، فيمثل جانباً آخر من حضور الأولياء الصالحين في الذاكرة المحلية. وينسب المقام إلى سيدي بلحسن الكراي، الذي ارتبط في الرواية المحلية بالزهد والورع، وظل ضريحه محطة يقصدها الأهالي للزيارة والتبرك. وعلى خلاف بعض الزوايا التي تتميز بتفاصيل معمارية أكثر تعقيداً، يبدو المقام أكثر بساطة من حيث التكوين، غير أن هذه البساطة لا تعني ضعف قيمته التاريخية أو الروحية.
وتنبع أهمية سيدي بلحسن الكراي تحديداً من استمرار حضوره في الذاكرة الشعبية، فالتراث الديني المحلي لا تحفظه العمارة وحدها، وإنما تحفظه أيضاً العادات والزيارات والروايات المتوارثة التي تمنح المكان معناه. ولذلك يمكن أن يكون مقام بسيط من الناحية الهندسية أكثر رسوخاً في الوجدان الجماعي من معلم أكبر حجماً وأكثر زخرفة، إذا ظل مرتبطاً بممارسة اجتماعية متواصلة.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المقامين باعتبارهما شاهدين على علاقة صفاقس بأوليائها ومقاماتها، وعلى الطريقة التي امتد بها المجال الروحي للمدينة إلى ما وراء حدودها العمرانية. فمقام سيدي سعادة يبرز بوضوح من خلال تركيبته المعمارية وارتباطه بالطريقة العيساوية، بينما يستمد مقام سيدي بلحسن الكراي جزءاً كبيراً من قيمته من استمرارية حضوره في الذاكرة الروحية لأهالي المنطقة.
كما أن وجود المقامين في الجهة الجنوبية من المدينة العتيقة يطرح مسألة أوسع تتعلق بدراسة المجال العمراني لصفاقس القديمة. فالمدينة لا تختزل في أسوارها وأبوابها ومساجدها وأسواقها، وإنما تمتد ذاكرتها إلى محيطها، حيث توجد مقامات وزوايا ومعالم دينية ساهمت في تشكيل علاقتها بالمجال الخارجي. ومن ثم فإن حماية هذه المعالم لا ينبغي أن تقتصر على ترميم المبنى، بل يجب أن تشمل توثيق الروايات المرتبطة به، وتحديد مراحل بنائه، ودراسة علاقته بالنسيج العمراني المحيط به.
وتبقى بعض المعطيات التاريخية المتعلقة بالمقامين، وخصوصاً نسب بعض العناصر المعمارية إلى العهد الزيري، بحاجة إلى توثيق أثري وتاريخي من مصادر متخصصة قبل اعتمادها باعتبارها حقائق نهائية. لكن المؤكد أن مقام سيدي سعادة ومقام سيدي بلحسن الكراي يمثلان جزءاً من المشهد الروحي والتاريخي لصفاقس، وأن قيمتهما تتجاوز حدود البناء لتصل إلى الذاكرة الجماعية التي أبقت هذه الأماكن حاضرة في وجدان المدينة.




