الناشط الحقوقي ابراهيم بن صالح: إلى من نطلب لهم الحياة ويطلبون لنا الموت

الناشط الحقوقي ابراهيم بن صالح: إلى من نطلب لهم الحياة ويطلبون لنا الموت

4 ماي، 22:00

كم شعرنا بالنخوة والاعتزاز نحن من تجاوزنا السبعين من العمر عندما أشعرنا أهل السّلطة المتنفّذة بأنّنا مبجّلون لنيل التلقيح ضدّ وباء الكرونا لأنّنا آباؤهم وأجدادهم وأمهاتهم وجدّاتهم وذهب في روعنا أنّهم حبونا بمحبّتهم وكلؤونا برعايتهم وهل كرم أسمى من هذا وهل وفاء أظهر وأجلى، غير أنّه سرعان ما انكشفت غريزة الوحش الكاسر فيهم وانجلت عن سجوف نفوسهم آيات النرجسية والأنانية ، فبجّلوا أنفسهم على من عداهم لتطول أعمارهم ولو باختزال أعمار غيرهم . لكن ما العمر؟ هل هو غير باب نسمّيه المهد يفضي حتما إلى باب نسمّيه اللحد ؟ فهل جرعة التلقيح ستحصّنهم حتى يمتدّ الجسر بين مهدهم ولحدهم ؟ ألا إنّهم واهمون : فـ (من لم يمت بالسيف مات بغيره + تعدّدت الأسباب والموت واحد ) وهم يخادعون أنفسهم بالهروب من الموت ( ومن هاب أسباب المنايا ينلنه + ولو رام أسباب السماء بسلّم ) وهم سيتجرّعون كأس الموت حتما لأنّ الأعمار ليست بأيديهم لا يستقدمون أجلهم فيها ولا يستأخرون لذلك يتحدّاهم الموت ويقهرهم أحياء قبل الممات (هو الموت فاصنع كلّ ما أنت صانع + وأنت لكأس الموت لا بدّ جارع ) .نحن المتقدّمين في السنّ لسنا نبغض من بجّل نفسه باللقاح ولكنّنا نبغض فيهم ضعفهم وإثمهم ، ولسنا نبغض أصحاب القرار لسلطتهم ولكننا نبغض الشرّ الذي في نفوسهم ، ولسنا نكره السفهاء لنفوذهم ولكننا نكره الظلم الذي يرين على قلوبهم ، ولسنا نهرب من أدعياء العلم في الطب والاقتصاد الذين نصحونا بالبقاء في ” جحورنا ” ولكن نهرب من الجهل الذي غشى بصائرهم . كم نحن في حاجة إلى مثال جميل نستنير به وإلى قدوة حسنة نهتدي بهديها ونستجير بها من عاديات الزمن ، كم نحن في حاجة إلى من تسامت روحه حتى تفيض على بني الإنسان محبّة وخيرا وسلاما .ألا إنّهم جهّال فقراء النفوس بؤساء الأرواح سخفاء العقول ، علّمناهم حبّ الحياة فجاؤوا يعلّموننا كيف نموت ، وعلّمناهم أنّ سرّ الحياة محبّة الناس وإيثارهم بالفضل فجاؤونا بدروس في الكراهية والبغضاء والأنانية والاستئثار بأسباب الحياة ، ألا ما أضلّ إنسانا يكرّم نفسه بتحقير غيره وما أرذل من هضم حقّ غيره فهضم حقّ نفسه ، تبّا لمن لم يدرك من الحياة كنهها ومن لم يعرف من الحياة أسرارها ، فلو فتّش هؤلاء الأنانيّون في الأرض بأجمعها عمّا يجمع البشرية قاطبة لما وجدوا غير الألم يوحّدها ، فليس المال ولا الأديان ولا اللغات ولا العلوم تجمعها وإنما هو الألم وحده الذي يوحّدها فلم التقاتل ؟، الألم وحده عدوّ الإنسانية جمعاء مهما كان نوع الألم ، ففي الألم ليس هناك أنا وأنت ونحن وأنتم وإنّما هناك قلب واحد ونبض واحد فلماذا إذن سرقة التلاقيح والاحتيال لها بالزور والبهتان ؟ إنّه السوس الذي ينخر القلب ، وإنّه الحسد الذي يأكل الروح ، وإنّه البغضاء التي تلتهم جوف مريض الوهم والخوف والهمّ الأزرق .يا أيّتها التي احتالت للخلاص من الألم إنّما أنت حصلت على حقنة للتخدير ، لتخدير نفسك لكي تهربي من نفسك ، أنت تهربين من ألم إلى ألم غيره ، تهربين من موت إلى موت غيره ، تعلّقت بذاتك المائتة وقتلت ذاتك الحيّة التي بها يُخلّد ذكرك ، سعيت إلى ذاتك المائتة وفرّطت في ذاتك الحيّة ، (نمت فحلمت فخيرا رأيت وخيرا يكون ) ألا ما أحوجك إلى جمال القلب وإلى لغة القلب وإلى ضياء القلب ليتك عرفت السبيل إلى الحبّ وعرفت أنّ جوهره وأسّه المكين هو العطاء بلا حساب وأنّه وحده البلسم الذي يشفي الروح ويبهج القلب أمّا فاقدو القلوب فأناس ميّتون محنّطون ليتك تصلحين من نفسك فتقرّين بجهلك لأنّ الإقرار بالجهل هو أولى درجات المعرفة الحقّ أطال الله عمرك من دون تلقيح وفتح بصيرتك لما هو خير لك ولبني وطنك

ابراهيم بن صالح : ناشط حقوقي

مواضيع ذات صلة

شركائنا