النظام البرلماني الهجين : خطة جهنمية لتدمير الأوطان العربية…سامي النيفر
استقلّ الوطن العربي عن الاحتلال الأجنبي في الخمسينيات من القرن الماضي وبدأ يبني دولته الوطنية.. وقد احتاج إلى رجال شجعان صناديد وحازمين من أجل ذلك… فكان بورقيبة وعبد الناصر وبومدين وصدّام حسين والملك فيصل… بل ظهرت هذه النوعية من القادة زمن مقاومة الاستعمار حتى قبل الاستقلال…
وقد نجح أكثرهم في إرساء أسس الدولة الوطنية وبناء المؤسسات وكانوا سائرين نحو التطور في التعليم والصحة والبنية التحتية… وفي بداية الألفية، ومع ظهور مخطط الشرق الأوسط الجديد لمزيد تقسيم الأوطان العربية وتفتيت وحدتها ونزع عزتها ونخوتها للتحكم في رقابها ومزيد تغلغل الكيان الصهيوني والاستحواذ على ثرواتها ومقدّراتها، كان لا بدّ من زرع الحركات الإسلاموية المتطرّفة والحركات المنحلّة والمائعة في نفس الوقت مع نشر بذور الانشقاقات ومن أحسن الوسائل لذلك نشر هذا المولود الهجين المشوّه الذي سمّوه “النظام البرلماني”… وهي بدعة زُرعت في البلاد العربية التي تحتاج إلى وحدة صمّاء من أجل الرّخاء والنّماء..
نحن لا نتحدّث عن ملكية برلمانية كإنقلترا أو نظام رئاسي برلماني كإيطاليا حيث رئيس الوزراء هو الحاكم الفعلي.. نحن نتحدّث عن تفتيت السلطات دون أن يعرف أحد صلاحياته فالكلّ يحكم والكل لا يحكم في نفس الوقت فلا يمكن أن نحاسب أحدا كما يمكن محاسبة الجميع فتتشتّت المسؤوليات وتضيع حقوق الناس… كل البلدان ذات الأنظمة البرلمانية تعاني الويلات والانقسامات وتعيش دمارا شاملا : بدؤوا بفلسطين حين أرادوا التخلّص من المجاهد ياسر عرفات والحدّ من سلطاته فأتوا برئيس وزراء : محمود عبّاس وأحمد قريع.. حتى غاب القائد الرمز إلى أن قتلوه وسمّموه بعد أن أضعفوه وأصبح قليل الظهور مع اختلاف في الرؤى بينه وبين محمود عبّاس مثلا ومرة قال للحضور : “لم أتّصل به منذ مدّة… من يرى محمود عبّاس فليسلّم عليه.”.. ثم نعلم ماذا حصل بعد ذلك، إذ تصارعت فتح وحماس على أرض مازالت محتلة : الأولى أخذت الضفة الغربية والثانية أخذت قطاع غزة وهما يفضّلان التفاوض مع المعتدين كإيران وإسرائيل على أن يتفاوضا بينهما داخليا والخصومات بينهما غطّت على قضية الاحتلال الأصلية.. كذلك حصل في لبنان : رئيس مسيحي ورئيس وزراء سنّي ورئيس برلمان شيعي… من لحّود إلى الحريري إلى حسن نصر الله وغيرهم كثير.. بلاد جميلة غارقة في الفساد والشتات بسبب اختلاف الرؤى والعداوات والخيانات..
وكذلك حصل في العراق الحبيب بعد أن حاصروه وجوّعوه ودمّروه واحتلّوه وإلى العصر الحجري أعادوه وأتوا بالخونة والفاسدين على ظهر الدّبّابات الأمريكية الصهيونية الصّفويّة وشنقوا رئيسه صدّام حسين المجيد يوم عيد الأضحى أملا منهم في إذلال رمز العزة والشموخ وتأديب بقية الحكّام وتخويفهم.. وهذا الشيعي الحاقد نوري المالكي الدّمية المعيّنة كرئيس وزراء يتجاوز صلاحياته ويوقع على إعدام الرئيس الشرعي بعد أن رفض جلال الطالباني ذلك في حادثة تذكرنا بما وقع في تونس عند اختلاف رأسي السلطة الفلكلورية في تسليم البغدادي المحمودي من عدمه… وانظروا إلى العراق الآن : قتل، إرهاب، تطرف، تدمير البنية التحتية، فساد، أرض مستباحة وثروات متاحة وآثار وثقافة وتعليم مخرّب في بلاد الرافدين بلاد هارون الرشيد… وكذلك حصل الخراب في ليبيا مع تنازع سلطتي الشرق والغرب… نفس الصورة تكرّرت في تونس بإرادة أجنبية لاقتسام الكعكة بين الترويكا وبقية الأحزاب التي “جاءت من تالي وتعيّط يا مالي” واستحوذت على انتفاضة شعبية بمباركة خارجية : نزاع بين رؤوس السلطة، الكل فاسد والكل لا يُحاسَب…
تخريب للتعليم والصحة والثقافة والنقل والفلاحة والسياحة والاقتصاد والقضاء وحتى الرياضة وللذات التونسية التي تجمع بين الأصالة والتفتح، إرهاب، انفلات أمني، فساد عام، انعدام المرافق الأساسية كالماء والكهرباء والانترنات في بعض الأحيان، تفقير، تجويع، وبث الفتنة من أجل حرب أهلية… خراب ممنهج بمباركة خارجية وخيانة داخلية… والغريب أن الأنظمة التي تساندهم وتتشدّق بالدّيمقراطية هي رئاسية صرفة.. فمثلهم الأعلى في الديمقراطية أمريكا بنظام رئاسي وكذلك الشّأن في فرنسا روسيا وتركيا (حيث سلطانهم أردوغان يستحوذ على كل السلط مدى الحياة ويقمع معارضيه) وكذلك قطر والإمارات والسعودية وغيرها من الأنظمة برأس واحد… نحتاج إلى نظام رئاسي قوي لا تتشتّت فيه السلط يحكمه رئيس عادل وديمقراطي له كل الصلاحيات وعليها سيحاسب أمام الشعب في صورة تقصيره وقديما قيل : “السفينة إذا تكثر ريّاسها تغرق”.. نحتاج إلى سلطة أبوية غير تعسّفيّة من أجل تونس قويّة.
سامي النيفر





