الى جحافل ممارسي العهر الإعلامي ومنشطي المجاري وكرانكة العار…الجلاء الجلاء ….يا أتعس الدخلاء!
كنت، في أواخر سبعينات ومطلع ثمانينات القرن الماضي، طالبا جامعيا حركيا، وكاتبا يافعا باللغتين العربية والفرنسية في الصحف والمجلات التونسية، وأصغر أعضاء اسرة تحرير مجلة الفكر (انظر مذكرات البشير بن سلامة “عابرة هي الأيام”)، ومشرفا على الملحق الثقافي لجريدة “بلادي”، الذي كان يؤثثه كبار ادباء تلك الفترة امثال العروسي المطوي ومصطفى الفارسي ومحمد صالح الجابري وسمير العيادي والشاذلي زوكار ونورالدين صمود ومحمد مصمولي والحبيب الجنحاني رحمهم الله، وأحمد الحمروني وعبد الواحد براهم وغيرهما، وكنت كثير التردد على مقر وكالة “افراح الشعب” بشارع الحرية لصاحبها المناضل الوطني الراحل إمحمد بن سعد.
كان المجلس المسائي يضم، كل يوم، العديد من المع وجوه الأدب والفن والإعلام والسياسة، يتوسطهم الإعلامي الكبير وأحد أبرز أعمدة الصحافة الشعبية الناطقة باللغة العامية التونسية بعد عبد العزيز العروي، أ لا وهو الصحفي والمسرحي والإذاعي الشهير، عبد المجيد بوديدح، او “بابا ديدح” كما يلقبه صفوة خلانه.
كان بوديدح، بجبته التقليدية الفضفاضة، والشاشية الحمراء التي يضعها مائلة ليلامس طرفها السفلي أذنه اليسرى، وقفته التي جمع فيها ما لذ وطاب من الفواكه والغلال، وسرعة بديهته، وقوة شكيمته، شخصية طريفة وعميقة، تختزل جماعة “تحت السور”، التي إنتمى إليها، بكل تناقضاتها الفكرية والفنية والإجتماعية. وقد داب صاحب المقر والوكالة، إمحمد بن سعد، على ان يتبوأ مكانه دوما وأبدا بجانب بوديدح، حتى إذا ما سئم من ثرثرة الدخلاء والمتطفلين ومدعيي الإعلام والفن، او إزداد عددهم في المجلس اكثر من اللزوم، أشار إليه خلسة بان يفض الجلسة، فينتفض بوديدح واقفا وهو يضرب كفا بكف ويصيح : “الجلاء …الجلاء” …!!! فيقف الجميع ليدبروا طائعين.
تذكرت هذا المشهد الطريف، وأنا أعاين المشهد الإعلامي، الموبوء بشطحات الزعانف والمتطفلين، وكم تمنيت لو كان بوديدح حيا، لاني على يقين من انه لن يتردد في ملاحقة جحافل ممارسي العهر الإعلامي، ومنشطي المجاري، وكرانكة العار، و وباعة الضمير بأرخص الأثمان وأقذرها، بقولته تلك : “الجلاء …الجلاء”، وقد يضيف إليها: “يا أتعس الدخلاء” !
مصطفى عطية




