بيان الجمعية التونسية للتفكير الإسلامي والشؤون الدينية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،
فقد اطلعنا هذه الأيام على عديد البيانات والتصريحات سواء المؤيدة أم تلك المنددة بتدوينة للدكتورة سلوى الشرفي تناولت حياة السيدة عائشة بنت أبي بكر ولكنها كتبت بلهجة عامية تونسية، جعلت المعلومة في متناول الجميع من متابعي وسائل الاتصال الحديثة، عكس ما هو موجود في المؤلفات العلمية الأكاديمية والتراثية التي يكون من الصعب فهمها من قبل غالبية المتابعين. وما ورد في هذه التدوينة وعده عديد المتابعين تطاولا وثلبا واعتداء على مقدسات الأمة.
وإننا في الجمعية التونسية للتفكير الإسلامي والشؤون الدينية نؤكد على ما يلي :
• من الناحية المبدئية : نؤكد على أنه من حق أي كان بما في ذلك السيدة سلوى الشرفي أن يعبر عما يعتقد أنه صحيح إيمانا منا بقدسية حرية الرأي والملازمة لها حرية القول إذ لا رأي بدون قول، عملا بدستور البلاد الجديد الذي سالت من أجل أن يدستر هذا الحق شلالات من الدماء،
• إن جوابنا والتزامنا هو بالقرآن الكريم فقط وما صح عن رسول الله عليه السلام وشرط صحته أن يكون مطابقا للقرآن الكريم، وكل نص يكون مخالفا أو مناقضا للقرآن الكريم فهو مردود مهما يكن قائله ومهما يكن المصدر الذي ورد فيه قديما كان أم حديثا،
• إن من أهم مشاكل ما يسمى بالتاريخ الإسلامي أنه تاريخ روائي يعتمد الرواية ولا يستند إلى أي معطى أثري حسي يثبت أو يفني تلك الروايات،
• إن مصطلح صحابي وصحابة لم يرد في القرآن الكريم، بمعنى من آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، بل إن مادة صحب ومشتقاتها وردت في القرآن الكريم بمعنى محايد يشمل من آمن بمحمد عليه السلام ومن كفر به، قال تعالى مخاطبا كفار قريش : وما صاحبكم بمجنون، فهو قد سمى الكفار الذين رفضوا الإيمان برسالة ونبوة محمد عليه السلام بأنه صاحبهم، وبالتالي فإن مادة ( صحب ) لا تختص بالمعنى الاصطلاحي الذي تم تحديده بعد موت النبي عليه السلام بعدة قرون ( الصحابي من لقي النبي عليه السلام ولو ساعة من نهار ومات على الإسلام)،
• إن القرآن الكريم جعل من آمن برسالة محمد عليه السلام واتبعه أصنافا منهم المؤمن الطيب ومنهم الفاسق الخبيث قال تعالى ( مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، آل عمران 179 )، والنبي عليه السلام قال نفس المعنى : لا تَسبُّوا أصحابي فوالَّذي نَفسي بيدِهِ لَو أنَّ أحدَكُم أنفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما أدرَكَ مُدَّ أحدِهِم ولا نصيفَهُ، هذا الكلام قاله النبي عليه السلام لخالد بن الوليد المسلم لما شتم عبد الرحمن بن عوف السابق عليه في الإسلام.
• نرفض رفضا باتا أي سب أو شتم أو ثلب لأي كان سواء كان صحابيا أم غيره، قال تعالى : وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، الأنعام 108،
• أن ما نسب إلى السيدة سلوى الشرفي موجود كله حرفيا في النصوص التراثية، بمختلف أصنافها ومراتبها واتجاهات مؤلفيها، وبذلك فإنه يبدو لنا أن ما يلام على المدونة هو ذكرها لهذه النصوص بلهجة مبسطة يفهمها العامي كما يفهمها الدكتور، ثم الانطلاق من ذلك إلى النبش عما في قلبها، حتى يصل الأمر إلى تلك الأحكام المختلفة الصادرة عن أناس من مختلف الطبقات والمستويات العلمية ومن الجنسين ذكورا وإناثا، في حين أن حياة من يسمون بالصحابة من خلال المصادر الإسلامية بمختلف اتجاهاتها كان أكثر قتامة من ذلك : تقتيل وتحريق وتمثيل بجثث المخالفين من النساء والرجال والكبار والصغار والأطفال الذين لا ذنب لهم. وهي أفعال ثابتة في القرآن الكريم وقد قام بها الصحابة أنفسهم ضد النبي عليه السلام نفسه، وهذا أمر يدركه كل من يراجع كتب المسلمين. وهي أفعال قام بها من يسمون الصحابة في حق النبي نفسه و ضد مخالفيهم من الصحابة، ومن أراد الاطلاع أكثر فعليه بمراجعة ما يريد من كتب أسباب النزول والطبقات والسير والتراجم والتفسير والفقه والحديث وغيرها من المؤلفات من مختلف الفرق والطوائف الإسلامية، ولا يملك المؤرخ والمفسر والمحدث والمثقف المسلم في تلك الفترة إلا القول : وقد قام بقبائح يستحي القلم من ذكرها، وإن صحت صحبته فهي أفعال لا تضره، ( قول ابن حجر في بسر بن أرطأة)،
• |ن عيب السيدة سلوى الشرفي أنها دونت رأيها بلهجة في متناول كل الفئات المتقبلة لها على عكس ما يريده أصحاب الفكر التقليدي من حصر لفهم النص الديني بهم هم فقط وإقصاء كل من يحاول فهم وقراءة كتاب الله تعالى دون المرور بسلطتهم التي حددوها وبألغازهم التي ألفوها رغم أن الله تعالى يقول : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ، القمر 22.
• فعندهم أن كل من قرأ أو فهم أو حاول فهم النص الديني من دون اللجوء لهم وقبل سماحهم له فهو مبتدع زنديق فاسق يريد التشكيك في المقدسات وبث الفتنة وإلهاء العامة لذلك فهو حسب رأيهم قد وجب رفضه ورفض كل ما أتى به ولو كان عين الصواب، كل ذلك من باب إلجام العوام عن علم الكلام، ومن باب من تمنطق فقد تزندق، متناسين أن الله تعالى قد أوجب على الجميع إعمال العقل والفكر والتدبر في كتابه الكريم وسننه الكونية ويسر ذلك لكل من يريده صادقا حيث جعل العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس،
• لقد مثلت تدوينة الدكتورة سلوى الشرفي صدمة معرفية رجت أسس المعرفة التقليدية التي كان من يسمون أنفسهم علماء الشريعة بمختلف اختصاصاتهم ملكا تجاريا لهم لا يدخله غيرهم إلا بإذنهم، هذه الصدمة جعلت عامة المؤمنين يتساءلون ويشكون ويفكرون في المرويات التي عاشوا عليها سنين، وهو ما يمثل خطرا محدقا برأسمال تلك الفئة التي سمت نفسها علماء الشريعة،
• حين نقارن بين تدوينة سلوى الشرفي وبعض الكتابات التي دونها باحثون عرب ومسلمون فإنا قد نجد تلك الدراسات تتجاوز كثيرا ما ورد في تدوينة سلوى الشرفي لكنها لم تجد من المقاومة والانتشار ما وجدته هذه التدوينة ذلك أن تلك الدراسات والبحوث رغم ما فيها من تعسف في التأويل وتجاوز للحقائق وانتقاء للنصوص فإنها بقيت في رفوف المكتبات لا يعلمها إلا القلة من المتخصصين في الدراسات الحضارية العربية الإسلامية من ذوي اللسانين، أما أبناء المؤسسة الفقهية التقليدية فهم في منأى عن تلك الدراسات، وذلك أن هده البحوث والدراسات كتبت بلغة أكاديمية بعيدة عن أيدي العامة والغوغاء وليس لها تأثير مباشر في حياة بسطاء الناس عكس هذه التدوينة التي قرأها وعرف ما فيها عامة العامة، وبدأ كثير منهم في التفكير والشك والرفض سواء لها أم لما تعلموه سابقا والبحث في النصوص التراثية، وتلك ميزة تحسب لهذه التدوينة التي حركت المياه الراكدة
• نلاحظ أن ما اعتبره بعض المعلقين سخرية وتهكما واتخذوه سبيلا للتشكيك في عقيدة المدونة، هو من أساليب كلام العرب، ولهذا الأسلوب، أي أسلوب السخرية أهداف كثيرة، أهمها كشف الباطل وفضح أهله ونشر المعلومة بسلاسة ووضوح. وقد ورد في القرآن الكريم في أكثر من آية، قال تعالى : وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً ، الإسراء 49 – 51.




