تاريخ عائلة الفخفاخ والعطور في مدينة صفاقس العتيقة…بقلم: محمد جمال الشرفي

تاريخ عائلة الفخفاخ والعطور في مدينة صفاقس العتيقة…بقلم: محمد جمال الشرفي

8 سبتمبر 2026، 21:15

ترتبط عائلة الفخفاخ بجانب مهم من تاريخ صفاقس، خاصة خلال الفترة التي ازدهرت فيها الصناعات المنزلية والحرف التقليدية داخل المدينة العتيقة. ولم تقتصر مكانة العائلة على نشاط واحد، بل امتدت إلى التجارة والصناعات التقليدية، وفي مقدمتها تقطير مياه الزهر والورد وصناعة العطور، إلى جانب حضور عدد من أفرادها في مجالات أخرى مثل تجارة الحلي والتعليم.
وتشير مصادر محلية إلى حضور اسم الفخفاخ في الحياة الاقتصادية الصفاقسية منذ فترة مبكرة. فقد ورد اسم أفراد من العائلة ضمن التجار الصفاقسيين الذين مارسوا التجارة مع بلاد الشام خلال الفترة الممتدة بين 1774 و1833، وفق المعطيات الواردة في دراسة علي الزواري حول العلاقات بين صفاقس وبلاد الشام.
العطور ومياه الزهر في صفاقس القديمة
ارتبطت صناعة العطور ومياه الزهر في صفاقس ارتباطا وثيقا بالبساتين والحدائق المحيطة بالمدينة. فقد عرفت صفاقس منذ قرون بزراعة الأشجار والنباتات العطرية، واستفاد سكانها من أزهار الورد والياسمين والنسرين وغيرها في إنتاج المياه المعطرة.
وكان تقطير هذه الأزهار يتم داخل البيوت وفي الورش العائلية الصغيرة. ثم تستخدم المنتجات في إعداد المشروبات والحلويات والمربيات، كما تدخل بعض أنواعها في الاستعمالات الطبية والعائلية. وتذكر المصادر أن هذه الصناعة عرفت ازدهارا خاصا منذ القرن الثامن عشر، واستمرت في الحضور ضمن الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
محمد بن أحمد الفخفاخ ودكان العطور
تذكر روايات محلية أن محمد بن أحمد الفخفاخ عاش خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وكان يمتلك دكانا في نهج الباي داخل المدينة العتيقة بصفاقس. واشتهر بنشاطه في تقطير مياه الزهر والورد والياسمين والنسرين.
وكانت المواد الأولية المستخدمة في هذه الصناعة تأتي من بساتين صفاقس، وهو ما يعكس العلاقة المباشرة بين الفلاحة والحرف داخل المدينة. فالزهرة تبدأ رحلتها في البستان، ثم تنتقل إلى يد الحرفي الذي يحولها بالتقطير إلى ماء زهر أو ماء ورد، قبل أن تصل إلى السوق والبيوت.
وتكشف هذه المهنة عن طبيعة المدينة العتيقة باعتبارها فضاء للسكن والعمل والتجارة في الوقت نفسه. فقد كان الحرفي يعيش بالقرب من دكانه، وتنتقل المهنة داخل الأسرة من جيل إلى آخر. وهكذا أصبح الدكان جزءا من ذاكرة الحي، وأصبحت صناعة مياه الزهر والعطور جزءا من الحياة اليومية في صفاقس القديمة.
امتداد المهنة داخل العائلة
تزداد أهمية محمد بن أحمد الفخفاخ عند النظر إلى الجيل الذي جاء بعده. فقد ذكرت مصادر محلية أن أبناءه واصلوا نشاط العائلة في مجالات مختلفة، ومن بينهم الفخفاخ والحاج حسونة الفخفاخ والحاج التوفيق الفخفاخ، فيما ارتبط نشاط عدد منهم بالتجارة.
كما واصل الحاج عبد الرحمن الفخفاخ نشاط صناعة وتجارة المشروبات والعطور. ويشير هذا الامتداد إلى أن النشاط لم يكن مهنة عابرة، بل تحول إلى مسار عائلي استمر عبر أكثر من جيل.
وتذكر الروايات أن والد محمد بن أحمد كان يمارس صناعة المشروبات المستخرجة من الفواكه وصناعة العطور، وكان يملك دكانا في نهج الباي. ثم اتجه ابناه الهادي ومحمد إلى التجارة، حيث اختار كل واحد منهما نشاطه التجاري الخاص. أما محمود، فاتجه إلى التعليم الزيتوني، وهو ما يعكس تنوع المسارات التي اختارها أبناء الأسر التجارية والحرفية في صفاقس.
من البستان إلى السوق
لفهم صناعة العطور ومياه الزهر في صفاقس، من المهم النظر إليها ضمن دورة اقتصادية متكاملة.
الفلاح يزرع النباتات العطرية ويجمع الأزهار. الحرفي يقطرها داخل الدكان أو المنزل. التاجر يتولى بيع ماء الزهر وماء الورد والعطور. ثم تدخل هذه المنتجات في إعداد الأطعمة والحلويات والمربيات والمشروبات، كما تستخدم في المناسبات العائلية واستقبال الضيوف.
وبذلك لم تكن صناعة العطور نشاطا تجاريا منفصلا عن بقية قطاعات الحياة، بل كانت حلقة ضمن منظومة اقتصادية واجتماعية تجمع البستان والحرفي والتاجر والأسرة والسوق.
الفخفاخ وصناعة الحلي
لا يقتصر حضور عائلة الفخفاخ في تاريخ الحرف الصفاقسية على صناعة العطور. فقد ارتبط عدد من أفرادها أيضا بصناعة الذهب والحلي.
وتروي مصادر محلية أن عزيز الفخفاخ تعلم صناعة الذهب والحلي في صفاقس على يد حرفي مصري قدم من الإسكندرية، ثم أصبح من أصحاب الخبرة في هذه المهنة. وتخرج على يديه عدد من الصاغة، ومن بينهم المختار الفخفاخ الذي أدخل آلات متطورة إلى صناعة الحلي سنة 1919.
وتكشف هذه الرواية عن جانب آخر من تاريخ الحرف في صفاقس، حيث استفاد بعض الحرفيين من الخبرات القادمة من خارج تونس، ثم نقلوها إلى الأجيال الجديدة وطوروها داخل الورش المحلية.
العائلة والحياة الاقتصادية والاجتماعية
لا ينبغي اختزال تاريخ الفخفاخ في صناعة العطور ومياه الزهر وحدها. فقد دخل أفراد من العائلة مجال التجارة، ومارس بعضهم الصناعات التقليدية، واتجه آخرون إلى التعليم، كما شارك عدد منهم في الحياة الاجتماعية للمدينة.
وتذكر الروايات المحلية أن أبناء محمد بن أحمد الفخفاخ كان لهم حضور في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في صفاقس، وشاركوا في أعمال مرتبطة بالمدارس والمساجد وخدمة المجتمع.
ومن هذا المنظور، يصبح ماء الزهر وماء الورد أكثر من مجرد منتجين يباعان في الأسواق. فقد ارتبطا بالمناسبات العائلية، وبالمطبخ الصفاقسي، وبعادات الضيافة، وبذاكرة البيوت القديمة.
وعندما نستحضر دكاكين الفخفاخ في نهج الباي، نستحضر مرحلة كانت فيها الزراعة والحرف والتجارة والعائلة مترابطة ضمن دورة اقتصادية واحدة.
بين الوثيقة والذاكرة العائلية
يبقى من المهم التمييز بين ما تؤكده الوثائق التاريخية وما تنقله الذاكرة العائلية والروايات المحلية. فهناك روايات تشير إلى أصول عربية للعائلة وانتقال بعض فروعها من مناطق أخرى نحو الشمال ثم استقرارها في صفاقس. غير أن تثبيت هذه الروايات يحتاج إلى وثائق أقدم تسمح بإعادة بناء التسلسل العائلي ومسارات الهجرة بصورة دقيقة.
أما حضور اسم الفخفاخ في النشاط التجاري الصفاقسي خلال القرن الثامن عشر، ثم ارتباط أفراد من العائلة بصناعة العطور والتقطير خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، فتدعمه مجموعة من المصادر والروايات المحلية.
العائلة جزء من ذاكرة المدينة
تكمن قيمة تاريخ عائلة الفخفاخ في صفاقس العتيقة في هذا التداخل بين العائلة والمهنة والمكان. فقد ارتبط أفراد منها بالتجارة في نهج الباي، وبصناعة العطور ومياه الزهر، ثم انتقل بعضهم إلى حرف أخرى مثل صناعة الحلي، بينما اختار آخرون مسارات مرتبطة بالتعليم والتجارة.
وهكذا أصبح تاريخ العائلة جزءا من تاريخ المدينة نفسها. فتجربة الفخفاخ تعكس جانبا من المجتمع الصفاقسي، وكيف انتقل تدريجيا من اقتصاد يعتمد على البساتين والحرف المنزلية إلى اقتصاد تجاري أكثر اتساعا.
وتفتح دراسة علاقة عائلة الفخفاخ بالعطور ومياه الزهر بابا لفهم جانب من تاريخ صفاقس الاقتصادي. فخلف الدكاكين والأسواق كانت توجد منظومة دقيقة تربط البستان بالبيت، والحرفي بالتاجر، والأسرة بالسوق.
وتقدم صناعة العطور ومياه الزهر واحدة من أوضح صور هذه المنظومة. تبدأ العملية من أزهار البساتين، ثم تمر عبر التقطير داخل البيوت والورش، وتنتهي في الأسواق والمطابخ والمناسبات العائلية.
وفي هذا المسار برز اسم عائلة الفخفاخ، خاصة خلال الفترة التي أصبحت فيها صناعة العطور ومياه الزهر جزءا معروفا من النشاط الحرفي والتجاري في صفاقس.
إن تاريخ الفخفاخ والعطور هو في جانب منه تاريخ للمدينة العتيقة نفسها. فهو تاريخ عائلة ارتبط عدد من أفرادها بمهن وأسواق وأحياء محددة، وتداخل نشاطها مع البساتين والمنازل والدكاكين.
وما بقي من هذه الذاكرة اليوم لا يقتصر على أسماء أصحاب الدكاكين. إنها تشمل أيضا أسماء الأزقة، وذاكرة الأسواق، وروائح ماء الزهر والورد والياسمين، وهي عناصر تساعد على إعادة بناء صورة صفاقس القديمة من خلال تفاصيل الحياة اليومية لسكانها.

مواضيع ذات صلة