حتّى لا تكون سطرا مخجلا في كتب التاريخ…سليم مصطفى بودبوس

حتّى لا تكون سطرا مخجلا في كتب التاريخ…سليم مصطفى بودبوس

16 فيفري 2022، 14:00

        تعيش تونس في الآونة الأخيرة وضعا استثنائيا بجميع المقاييس؛ إذْ تحوّلت من جديد إلى محط أنظار العالم، بل إلى محجّ للديبلوماسية الدولية ضمن اهتمام إعلامي وسياسي غير مسبوق في السنوات الأخيرة. وقد اجتمع على تونس الضّغط  الوطني الداخلي من قبل القوى المعارضة لسياسات الرّئيس قيس سعيّد، والضغط الدولي الخارجي بسبب الاستمرار في الإجراءات الاستثنائية، والتي بدأت منذ 25 يوليو 2021 بتعليق العمل بالدستور وتجميد البرلمان، وانتهت مؤخّرا بقرار حلّ المجلس الأعلى للقضاء بالرغم من تطمينات رئيس الجمهورية بين الحين والآخر بالحفاظ على الحقوق والحريات.

لكن ما مدى حاجة تونس حقيقة إلى دعم خارجيّ؟ وإذا سلّمنا بأنّ المعارضة الداخليّة تخشى على الديمقراطية الناشئة، فهل صحيح أنّ هذه القوى الخارجية تخشى على النظامين الدستوري والديمقراطي في تونس؟

لا تزال تونس ترزح تحت عبء تحديات اقتصادية ومالية جرّاء تفشي جائحة كورونا وتباطؤ نمو الاستثمار الوطني والأجنبي في البلاد، ولا تزال تواجه أزمة مالية خانقة حذّر منها خبراء منذ أشهر لا سيما مع تقطّع مردوديّة بعض القطاعات الحيوية مثل السياحة وإنتاج الفسفاط والفلاحة وغيرها…

لذا فإنّ  تونس اليوم في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى دعم خارجي عاجل، لتمويل ميزانيّتها السنوية وإطلاق مشاريع اقتصادية كبيرة للخروج من عنق الزجاجة بعد أن أهدرت البلاد سنوات عديدة في استنساخ تجارب تنموية فاشلة عطلت مسيرة التنمية، وعادت بها أشواطا إلى الوراء مقارنة بدول الجوار.

لكنّ هذا الدعم  الخارجي مهما كان مأتاه يظّل مشروطا: غربيّا باحترام بنود اتفاقية الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي وخاصة منها تكريس دولة القانون والمؤسسات والحقوق والحريات، وتنفيذ توصيات البنك الدولي، وشرقيًّا بالتموقع ضمن هذا المحور أو ذاك وتنفيذ أجندة بعض القوى الإقليمية الصاعدة في ظلّ صراعات متشابكة على رمال متحرّكة.

وقد تجلّى هذا الضغط الدولي ولا سيما الغربيّ منه في عدّة مناسبات، ولا سيما من الشركاء الاقتصاديين الأساسيين لتونس؛ إذْ تمّ تأجيل القمة الفرنكوفونية الـ18، المقرر عقدها في جزيرة “جربة”، نهاية نوفمبر 2021، لمدة عام “من أجل السماح لتونس بأن تكون قادرة على تنظيم هذا اللقاء المهم في أفضل الظروف، كما قررت الجمعية البرلمانية للفرنكوفونية تعليق عضوية تونس بسبب الأوضاع السياسية في البلاد.

وكان البرلمان الأوروبي قد دعا في أكثر من مناسبة تونس إلى إنهاء تجميع السلطات بيد رئيس الجمهورية قيس سعيد والعودة إلى المؤسسات. وقد تصاعد الضغط الدولي بعد حل المجلس الأعلى للقضاء؛ حيث صرّح مفوض السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي جوزيب بوريل أنّ الاتّحاد يدرس إيقاف المساعدات المالية لتونس ما لم تعد إلى المسار الديمقراطي.

 و خصّص الكونغرس الأميركي جلسة لبحث الأوضاع في تونس، وحذّر السيناتور الأمريكي كريس مورفي من التداعيات الخطيرة لقرارات قيس سعيّد، واعتبر أنّه لا يمكن القبول بتجميع كلّ السلطات في يد واحدة، فيما حدّد صندوق النقد الدولي شروطا قاسية لقبول تقديم أيّ قرض جديد إلى تونس…

 ويُخشى أن تؤدي هذه الضغوطات إلى عزل تونس دولياً خاصة وأنه لم يعد بإمكان الدول الانكفاء حول نفسها بالنظر إلى ما يمارسه المجتمع الدولي من حقّ في الرقابة على ما يحدث داخل أي دولة.

بالمقابل قلّل البعض من أهمية هذه الضغوطات، واعتبروا أن ما يحدث في البرلمان الأوروبي أو الكنغرس الأمريكي بشأن تونس أمرا عاديا؛ إذْ هو جزء من أعمال اللجان التي تعنى بالشؤون الخارجية، بل ذهب بعضهم، ومنهم الرئيس قيس سعيد إلى اتهام بعض القوى التونسية المعارضة بتأليب الرأي العام الدولي ضد “مشروعه الإصلاحيّ” والتشويش على الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها.

واعتبر آخرون أنّ في هذه الضغوطات سعيا من الشركاء الغربيين إلى الحفاظ على مصالحهم واستعادة أموالهم ولو بالسكوت عن الإجراءات الاستثنائية شرط أن تنفّذ الحكومة شروط صندوق النقد الدولي والذي تتحكّم فيه الولايات المتحدة الأمريكية لأنّ هذا الصندوق ليس مؤسسة خيرية.

أمّا الضغط الداخليّ فقد تنامى منذ 25 جويلية الماضي؛ فقد ابتعدت يوما بعد يوم التيارات السياسية التي ساندت الرئيس في ذلك التاريخ، وتزايدت الاستقالات من ديوانه وليس آخرها استقالة مديرة الديوان الرئاسي نادية عكاشة /العضو اللغز.. وتكوّنت جبهات معارضة قوية تقودها قوى وطنية تحت عنوان (مواطنون ضد الانقلاب) فضلا عن تجمّع الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية ضدّه، إضافة بطبيعة الحال إلى حزب حركة النهضة المتضرر الرئيس سياسيا من 25 جويلية… وحتى رئيسة الحزب الدستوري الحر “عارضت” استفراد قيس سعيد بكل السلط.

        لقد صرّح الرئيس قيس سعيد بعد انتخابه قائلا: “إمّا أن تتحدّث عنّا أجيال من أحفادنا بفخر أو أن نكون سطرا مُخْجِلا يُدرّسونه في كتب التّاريخ”… وفعلا يجد اليوم رأسُ السلطة في تونس نفسَه، وقد جمّع كلّ السلطات بين يديه، بين مطرقة السيادة الوطنية وسندان الارتهان إلى الخارج، وهو ما يحمّله مسؤولية تاريخية جليلة في حال فشل ما أقدم عليه حتّى لا يكون سطرا مخجلا في كتب التاريخ، لاسيما بعد أن  رفض محاورة القوى الوطنية وأصحاب الخبرة في البلاد.

مواضيع ذات صلة