حكايات ليست كالحكايات ….مصطفى عطيّة

حكايات ليست كالحكايات ….مصطفى عطيّة

28 أوت، 14:00

★ مقهى أفريكا مرة أخرى: من المجلس الصاخب إلى مشروع عشاء وسهرة مع باسكال مشعلاني !
يدخل المحامي الحبيب بن عبدالله متهاديا، وكأنه يجر أذيال خيبة طارئة، يهم بالجلوس بجانب المحامي إبراهيم بن علي وقبالة زميلهما أحمد العكريمي، فيهرع إليه النادل هامسا: “أبو زيان السعدي كان هنا يبحث عنك، وأفادني انه سيعود بعد حين”، يبتسم الحبيب بن عبد الله ويرتمي وسط الكرسي، وكأنه يضع عليه أثقال كل هموم الدنيا. يسأله أحمد العكريمي بتعال :”هل قرأت مقالي اليوم في جريدة الرأي حول المرأة بعنوان “لا تحملوها ما لا طاقة لها به”؟ فيجيبه بطريقة إستفزازية :”أنا لا أقرأ الصحف التونسية”! ينفجر إبراهيم بن علي ضاحكا وكأنه ينتظر مثل هذه الإستفزازات، ويقول متصنعا الإستنكار :”ولكنك قرأت مقالي الأخير في جريدة الصباح بعنوان “أزيلوا آثار الإستعمار الروماني من قرطاج ؟”. يغرق الحبيب بن عبد الله في موجة صاخبة من الضحك، لم تتوقف إلا عندما سأله القاضي مبارك الزرقوني بصوت مثخن بالتعجب والإستغراب :”أتعرف لماذا كتب إبراهيم ذاك المقال المريب؟”، أجابه وهو يضرب الطاولة بقبضته :”أعرف سيدي الرئيس، اعرف، إنه يسعى إلى الضغط على المعهد التونسي للتراث ليرخص له بالبناء على أرض إقتناها في ضاحية قرطاج لكن ثبت انها تحتوي على آثار رومانية”.

ينقض أحمد العكريمي على الفرصة ليثأر لنفسه من غريمه الذي شاكسه، ويقول بصوت عال :”لماذا تضحك يا حبيب وقد كنت دوما تحرضه على كتابة مثل هذه المقالات المثيرة للإستغراب، ألست شريكا غير مباشر له في هذا الصنيع؟”
لم يجبه الحبيب بن عبد الله متظاهرا بالبحث عن النادل.
يدخل أبو زيان السعدي ملفوفا في معطف طويل داكن، وقد وضع قبعة مستطيلة على رأسه، فيشير إليه الحبيب بن عبد الله بيده. يجيبه بطأطأة من رأسه ويتجه نحو المجلس بخطى وئيدة، وبقايا سيجارة آفلة تترنح بين شفتيه. يرفع يده مختزلا تحية جماعية ويقول :”أعلن من هذا المجلس ان الحبيب بن عبد الله هو أحسن محام في تونس”، ينظر إليه إبراهيم بن علي شزرا وهو يطوح برأسه مستنكرا. ينتصب أحمد العكريمي واقفا، موهما بالمغادرة إحتجاجا، فيجذبه القاضي مبارك الزرقوني برفق داعيا إياه إلى التريث، ويتجه إلى الحبيب بن عبد الله بالسؤال :” أبو زيان لا ينطق على هوى، لا بد ان في إشادته بك خلفية لا نعرفها، فهل لك ان تكشفها لنا يا حبيب؟”.
ينظر الحبيب بن عبد الله في وجه أبي زيان وكأنه يستأذنه كشف المستور، فيجيبه بإيماءة تتم عن الموافقة.
يلملم الحبيب بن عبد الله أطرافه على طريقة الحكواتي، ويقول: “كلفني أبو زيان بالدفاع عنه في قضية إتهمه فيها أحد جيرانه في العمارة بتعنيفه، فأكدت أمام باحث البداية ان أبا زيان أديب كبير وفنان رقيق ولا يمكن ان يصدر عنه أي شكل من أشكال التعنيف، رغم ان جاره الشاكي إستفزه، مرارا وتكرارا، بإحداث الضجيج كلما ركن أديبنا الكبير وفنانا الرقيق إلى التأمل والكتابة، فطلب منه، بأدب جم، ان يكف عن إزعاجه بضجيجه الليلي المتواصل، وهو ما إعتبره الشاكي تعنيفا.”
تململ الحبيب بن عبد الله في كرسيه، تفرس في الوجوه المتشوقة لسماع بقية الحكاية، وأضاف، وقد علت محياه إبتسامة مستفزة:”إقتنع باحث البداية بكلامي، وٱتخذ قرارا بغلق الملف وحفظه، وبعد أن خرجنا أدخل أبو زيان يده في جيبه وأخرج لفافة من الأوراق النقدية وهو يردد :” يكفي انك وصفتني أمام باحث البداية بالأديب الكبير والفنان الرقيق لتستحق أجرة مرتفعة ولقب أحسن محام في تونس”!
كان الضحك الصاخب قد غمر المجلس عندما تدخلت سائلا إبراهيم بن علي:”أين العشاء الليلة؟” فيجيبني الحبيب بن عبد الله وكأنه على ٱتفاق مسبق مع إبراهيم بن علي :”في الطابق الأعلى سي مصطفى، مع بسكال مشعلاني ودلعها الذي يخفق له قلب برهوم وتفتح له جيوبه!”
يقف القاضي مبارك الزرقوني متأهبا للمغادرة وهو يتمتم بكلمات يستشف منها الدعاء لنا بصلاح الحال !

مواضيع ذات صلة