حلوى المعلّم بقلم الأستاذ : عبد اللطيف الهذيلي

حلوى المعلّم بقلم الأستاذ : عبد اللطيف الهذيلي

7 أوت، 16:30

عادت بي الذاكرة إلى بدايات ستينات القرن الماضي حين كنتُ تلميذا بالسنة الثانية ابتدائي . مدرستي يا سادة بها أربعُ قاعات تُطلُّ نوافذُها على ساحة مُسيّجة مربّعة الشكل ، هناك حذو باب المدرسة الوحيد انتصب مكتب المدير فيه يجتمع المعلّمون ومنه ينْبعثُ صوتُ الصفّارة العجيبة مُعلنة بداية الحصّة أو نهايتها . في ركن من أركان الساحة ، انتصبت نخْلة قصيرة ، شاحبة ، عليلة ، متآكلةُ الأوصال و قد أصابها فقرٌ في الدمّ وبرْدٌ في المفاصل ، في محيطها البائس يُقضّي التلاميذ عقوبة الحجز في الهواء الطلق و أمام الملإ ، وهذا ما كان معي ذات يوم كالح مالح ، حزين رزين مُهين ، قادني فيه حظّي العاثر إلى أن أكون في قائمة المدعوّين إلى السبّورة لعرض المحفوظات ، فكان منّي ما كان من تلعثُم و تأتأة و صوت خافت متردّد متقطّع دالّ على عدم الحفظ ، كان زملائي التلاميذ يُتابعون الموقف بعناية مركّزة ، فيهم الحافظ المطمئن و فيهم الخائف المُرْتعد و فيهم السّاخر الشامت ، منهم منْ وقف رافعا اصبعه متظاهرا بالحفظ ، و منهم مَن انْغمس في مَصّ إصبعه دون دراية بما يحْدُثُ حوله … ” ما شاء الله ، يكفي ، يكفي ، أنتَ لم تحفظ و كفى ، ستبْقى بالمدرسة ساعة كاملة ، سأحجز لك مكانا مريحا تحت جذع النخلة ، و في الغد سأختبر مدى حفظك ، عُدْ إلى مكانك ولا تُكرّر صنيعك هذا ، يا هذا … ” ، هكذا قال المعلّم بصوت جهْوريّ غاضب ، طلبتُ العفو منه ، توسّلتُ إليه أن يُسامحني ويُلْغي عقوبة الحجز ولكن دون جدوى ، فلوْ علِم والدي بالأمر لانهال عليّ ضربا و توبيخا … لله ما أقسى قلبك يا مُعلّمي … مرّت ساعة الحجز طويلة ثقيلة عليلة على مَن ليس بيده حيلة ، تأخّرتُ عن العودة إلى البيْت وبيْتُنا على مقربة من المدرسة ، و حين جاء قريبي يبحثُ عنّي أعلمه “عم حسين ” ذلك الرجل الطيّب منظّف المدرسة و حارسها و قلبُها النّابض ، بأنّني أساعدهُ في تعْبئة محابر الطاولات ، مرّت العاصفة بسلام فالحجزُ في محيطنا الاجتماعي بحجم فضيحة ، وبمنطق تعاير تلك الأيّام يُنعتُ المعاقبُ بالحجز بالمربوط أي السجين كما يُنْعتُ المستمر بالسردينة .
في حصّة الغد ، دخلتُ القاعة مُتثاقل الخُطُوات ، مهزوما مكسورَ الوجدان ،غير قادر على التحديق في عينيّ المعلّم ، الذي طلب منّي عرْض ما حفظته بالأمس ، كان ذلك كذلك ، طلب منّي بعدها أن أكتب جملة قصيرة على السبّورة – وما أصعب أن تكتُب على السبّورة يا ولدي – و عيُون زملائك ( قطاطس الشماتة ) ترقُبُ حركاتك و تتصيّد عثراتك – أتممْتُ المَهمّة بسلام ، بعدها أخذ المعلّم مسطرته الطويلة وظلّ يُمرّرُها على شعري مُدقّقا النظر في مَفرقي و أنا أتصبّبُ عرقا … لم يجد والحمد لله قُمّلا أو صيبانا على عهد ذلك الزمن ، تفحّص أظافري وهندامي ، مرّ اختبار” الفحص الفنّي ” بسلام ، و لكن ما أثار خجلي هي تلك الرّقاع التي كانت تُوشّحُ ميدعتي و قد خاطتْها أُمّي بما تعرفُه و بما توفّر لديها من قماش شبيه .

تبسّم المعلّم – وهذا حدثٌ في حدّ ذاته – ظننتُه ساخرا منّي ولكنّه شكرني على جودة الحفظ وجمال الخطّ ونظافة الهندام مذكّرا بقول سيّد القائلين : ” النظافة من الإيمان ” . مدّني بعدها معلّمي بقطعة حلوى ، لا أدري كيف تسلّمتُها و أين وضعتُها و كم احتفظتُ بها ، تبسّمتُ ودمع العين ينْهمرُ ، لم أُصدّق ما يحدُث ، تمنّيتُ لو أعاد عبارات الشكر الرشيقة مرّات ومرّات ، صدّقوني يا سادة ، لقد تغيّرتْ وضعيّتي النفسيّة رأسا على عقب ، تجاوزتُ وضعيّة من يشُكّ في قُدُراته إلى وضعيّة الواثق بذاته ، و” الكلمة أداةٌ جبّارة ” ( فرويد ) … عدتُ إلى مقعدي كمن فاز في سباق أولمبي ولسانُ حالي يُردّدُ : ( يا ناس يا أهلي يا جيراني أريد أن آخذكم في أحضاني ) … وددتُ أن أشكر معلّمي و أقول له الكثير و لكن هل يهتمّ بي ويسمعني لوحدي ؟ أردتُ أن أقول له أنا وأفرادُ أسرتي جميعُنا ، نُقيم ببيْت واحد فيه نطبخ و نأكل وندرس و ننام و ينامُ الضيوف و موبيلات أبي الزرقاء تحت أرجُلنا ، أبي عاملٌ يومي كادح شعارُه : ” كلّ يوم وقسْمو ” ، لا كهرباء لدينا بعْدُ ، الماء الصالح للشراب نجلبُه كلّ يوم من مواجل السبيل في قلّة تُحْملُ على الظهر المُبلّل بالضرورة ، المائدة التي عليها نأكُل هي ذاتُها التي عليها نكتُب و ندرس أنا وإخوتي ، جميعُنا يلتفّ حول ” الكربيلة ” أو حول شمعة سريعة الذوبان ومن النادر أن نُتمم انجاز التمارين ليلا ولا حلّ غير النهوض باكرا . مكتبتُنا بالبيْت يا معلّمي ، هي “التقسيط ” فيه نضع الخبز الطازج و اليابس و لوازم القهوة والشاي وما إليها وحذوها تماما نُرتّبُ الكتُبَ و الكراسات و الحبْر و الجفّاف و الطباشير و كرة من قراطيس أكياس الإسمنت وخذروفُ الخريف وبيسات الربيع ، وددتُ أن أقول له إنّ لوحتي هذه تعود في الأصل إلى ” سيدي ” أي أخي الأكبر وها هي محفظتي المُتآكلة ، المثقوبة شاهدة على تعاقب الأجيال ، مع كلّ ذلك يرفض أبي ، بكلّ كبرياء وعزّة نفس ، مجرّد الحديث عن مساعدات العُمدة الذي كان يكرهه دون أن نعرف السبب .

لا وجود يا معلّمي في محيطي لمتعلّم حاصل على السيزيام وقادر على التأطير والتوجيه ، مشكلتي تكمُنُ في ظروف التركيز ، فبيتُنا – على تواضعه و ضيق أفُقه – هو دائما قبلة للضيوف بالنظر إلى أصولنا الريفيّة و نُدْرة وسائل النقل . مع كلّ ذلك فأنا مُقصّرٌ في حقّ نفسي وحقّ عائلتي الكادحة ، ووضعي أفضل بكثير من ذاك الزميل اليتيم الجالس في آخر القاعة والذي يُنْجزُ تمارينَه على عتَبة شبّاك الجيران مستعينا بالنور الكهربائي الأصفر المنْبعث من غرفة جار طيّب الأعراق ، يترك الضّوْء يشتعل إلى وقت متأخّر إذ قد يحتاجُه أبناء الجيران لإعداد دروسهم … لله درّك يا معلّمي كم أنت وسيمٌ ، فهيمٌ ، حليمٌ ، رحيمٌ ، عليمٌ ، كليمٌ ، كريمٌ ، إن نطقتَ صدقتَ ، و إن عاقبْتَ صفحْت ، بكلمة موجزة وجديّة وبحركة بليغة ورمزيّة ، حوّلتني من وضع القنُوط والخذلان إلى وضع الطموح والاتّزان ، ليكون النجاحُ عندي هو العُنْوان .

مواضيع ذات صلة