حين تُقصى الذاكرة… هل تخلّت السينما التونسية عن ممثّليها؟…اشرف المذيوب

حين تُقصى الذاكرة… هل تخلّت السينما التونسية عن ممثّليها؟…اشرف المذيوب

31 جانفي 2026، 21:15

أثار تصريح الممثل القدير علي الخميري جدلًا واسعًا، بعد ما عبّر بكلمة موجعة عن شعوره بالتهميش، قائلًا بنبرة لا تخلو من السخرية:
“ولاّو ما عادش يعرفونا مخرجي العاصمة”.
تصريح بسيط في ظاهره، لكنّه يكشف أزمة أعمق تعيشها السينما والدراما التونسية اليوم.
القضية ما هيش شخصية، وما هيش صراع أجيال، بل تحوّل خطير في معايير الاختيار داخل الأعمال الفنية. في السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة الاعتماد المتزايد على وجوه قادمة من منصّات التواصل الاجتماعي، خاصّة تيك توك وإنستغرام، في أدوار رئيسية، رغم غياب التكوين الأكاديمي أو التجربة المسرحية والسينمائية.
في المقابل، نلقاو ممثلين كبار، صنعوا تاريخ الفن التونسي، وقدّموا أدوارًا خالدة، يتم إقصاؤهم بهدوء، أو استدعاؤهم في أدوار شرفية لا تليق بمسيرتهم. لا لشيء، إلا لأنهم لا يصنعون “التراند”، ولا يمتلكون جيشًا من المتابعين.
🔴 المشكل موش في الوجوه الجديدة
التجديد ضرورة، وضخ دم جديد في الساحة الفنية أمر صحي. لكن الإشكال الحقيقي يكمن حين تتحوّل الشهرة الرقمية إلى معيار وحيد، وحين يتم الخلط بين “صانع محتوى” و”ممثل”. التمثيل مهنة، فن، ومسؤولية، موش مجرد حضور أمام كاميرا.
التمثيل يتطلب فهم الشخصية، التحكم في الجسد والصوت، القدرة على الصمت قبل الكلام… وهي مهارات تُبنى بالسنين، فوق الخشبة، وتحت ضغط الكاميرا، لا داخل “ستوديو لايف”.
📉 فن يربح المشاهدة ويخسر الروح
النتيجة اليوم واضحة: أعمال تحقق نسب مشاهدة عالية، لكنها تفتقد العمق، ولا تترك أثرًا في الذاكرة الجماعية. أفلام تُشاهد وتُنسى بسرعة، لأنّها لم تُبنَ على أداء صادق، ولا على احترام لتاريخ الفن.
تصريح علي الخميري، وغيره من الممثلين الذين عبّروا عن نفس الإحساس، يجب أن يُقرأ كـجرس إنذار، لا كتذمّر. إنذار من خطر تحويل الفن إلى منتج استهلاكي سريع، يخضع لمنطق السوق لا لمنطق الإبداع.
🎭 الفن ذاكرة… ومن دون ذاكرة لا مستقبل
أي سينما لا تحترم روّادها، ولا تصون ذاكرتها، محكوم عليها بالسطحية. احترام الممثلين الكبار لا يعني إقصاء الشباب، بل خلق توازن حقيقي بين التجربة والطموح، بين التاريخ والجديد.
الفن التونسي اليوم أمام مفترق طرق:
إمّا أن يستعيد بوصلته، ويعيد الاعتبار للموهبة والتكوين،
وإمّا أن يواصل الجري وراء “التراند”… إلى أن يفقد روحه بالكامل.

مواضيع ذات صلة