خطير : الجفاف وشح الأمطار في قلب الشتاء ..سامي النيفر

خطير : الجفاف وشح الأمطار في قلب الشتاء ..سامي النيفر

19 فيفري، 18:30

منذ أمطار الخريف أو “غسالة النوادر” لم نشهد غيثا نافعا معتبرا وها قد أوشك الشتاء على النهاية ولم نر شيئا رغم مرور الليالي البيض والليالي السود والعزارة وقرة العنز وقريبا ستأتي جمرة الهواء والماء والتراب ويحل الربيع دون أمطار تشرح الصدور وتنقذ المحصول.. هذا الوضع تكرر كثيرا في السنوات الماضية ولولا أمطار الخريف الأولى وأمطار مارس التي هي من الذهب الخالص لكان الوضع كارثيا أكثر.. لم يعد الشتاء شتاء ونحن نشهد أكثر من 30 درجة مئوية في شهر جانفي ! وقد دق السيد مصباح الهلالي ر م ع للصوناد ناقوس الخطر حين صرح منذ أيام بأن تونس من بين 10 بلدان الأكثر تأثرا بالتغيرات المناخية في العالم وبأن تواتر حالات الجفاف في تونس وخاصة في السنوات الثلاث الأخيرة سيؤدي إلى شح في الموارد المائية لا سيما أن إيرادات السدود لا تتجاوز 50% حاليا كما أن حصة التونسي لا تتجاوز 450 مسنويا وستصل إلى 350 م3 سنة 2030 بينما توصي المنظمة العالمية للصحة ب700 مللفرد في السنة أي الضعف.. نحن في وضع جفاف كارثي حتى مع نزول الأمطار فما بالك بغيابها إذ يسجل حسب الهلالي حوالي 50 عطبا يوميا على امتداد 57 ألف كم من قنوات التوزيع منها المفاجئ ومنها المبرمج كما ذكر المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية بأن من بين 36 مليار متحتفظ تونس ب5 مليار م3 فقط في السدود والبحيرات.. ويزداد الوضع سوءا في صفاقس عن مناطق الشمال والوسط والساحل بل في وقت من الأوقات تعجب السيد محرز الغنوشي المهندس الأول في المعهد الوطني للرصد الجوي من حالة صفاقس فقد صحت أغلب توقعاته الجوية إلا في مدينتنا.. هل نسينا تاريخنا ونحن في تونس مطمورة روما ؟ هل نسينا الحنايا والاستشفاء بالمياه ونحن من روّاده وهل نسينا فسقية الأغالبة وفسقية صفاقس ؟ وهل نسينا نحن الصفاقسية ميزتنا عن كل الجهات الأخرى بعادة حميدة وهي المواجل رغم أن سكان المدينة وخاصة في جنوبها يعانون من تلوث فظيع للهواء قد يفسد عليهم المحافظة على هذه السّنّة الطيبة وليت المواطنين في كل الجهات وخاصة الدولة تأخذ هذا التقليد الأصيل على محمل الجدّ فتبني مواجل وهي أقل كلفة من السدود ووسيلة جيدة لحفظ مياه الأمطار وكنت قد ذكرت هذا الاقتراح للسيدة أمان التونسي أستاذة علوم طبيعية وزوجة وال سابق لصفاقس واستحسنت الفكرة وذلك منذ 17 سنة ! وبعد، فيبدو أننا منغمسون في واقعنا اليومي المتردي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا حتى غفلنا عن عديد المخاطر التي تهدّد أمننا الغذائي وتهدّد حتى حياتنا وقد تحدّث المسلسل الرائع “الريحانة” ومن بعده “عودة المنيار” عن معضلة الجفاف منذ بداية الألفية رغم أن المناخ وقتها أفضل من الآن وقد يكون التونسي سعيدا بهذا الوضع لأننا مع الأسف تربّينا على كره الأمطار نظرا لهشاشة بنيتنا التحتية إذ تفيض سدود وأنهار وأودية وبالوعات وتسقط منازل وبناءات وتنجرف بيوت وأشخاص وتغصّ شوارع وتتعطب سيارات وتتعطل حركة المرور وسائر الأعمال فنسجل خسائر مادية وحتى بشرية وتختنق البلاد وتغلق ونصبح في حجر صحي من نوع ثان.. فالجفاف في هذه الحالة قد يصبح نعمة ويا للأسف وإلا فإنه نوع من العذاب الذي علينا بعد اتخاذ كافة الأسباب العلمية لمنعه مثل حماية البيئة والمحيط ونحن بلاد الحرائق والسياب والغازات الملوثة من المصانع والسيارات وغيرها والحرق العشوائي أن ندعو الله أن يكشف عنا البلاء ويغيثنا ونستغفره من ذنوبنا العديدة التي قد تكون منعت عنا الغيث النافع… الأمطار مفيدة حتى للتفاؤل والصحة النفسية وبضع قطرات طبيعية من السماء خير من عديد المضخات الاصطناعية لأشجارنا ونباتاتنا وفلاحتنا التي في غالبها بعلية وتغيب فيها الإمكانات وتشكو من الجفاف وفساد البذور وسوء حفظ المنتوجات ونقص الأسمدة وانتشار العاهات والسرقات وتلوث الهواء حتى أصبحت تونس المعروفة بباكوراتها المميزة تستورد الفلفل والبطاطا وحتى التمر من البلدان الأخرى فالأمطار لا تعوّض وهذا ما نشاهده دائما بأم أعيننا مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى : ” أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ  ” وقوله تعالى : ” وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ  ” وقوله عزّ من قائل : ” وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ  “.. اللهم اسقنا الغيث النافع ولا تجعلنا من القانطين ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا وهم كثر…

مواضيع ذات صلة

شركائنا