د.سامي الفخفاخ من باب بحر صفاقس إلى المحيط الهندي

د.سامي الفخفاخ من باب بحر صفاقس إلى المحيط الهندي

28 مارس 2021، 13:00

غمرتني سعادة يوم الثلاثاء الماضي وأنا أستمع إلى برنامج “سور ونور” عبر إذاعة صفاقس، والذي قدمه علي المرزوقي ويشارك فيه فريد مقني.يتلمّس هذا البرنامج في احدى فقراته”نجاحات” أبناء مدينة صفاقس في الشتات العالمي أو “دياسبورا”. وبكل فخر تضع ضيوفها تحت الأضواء الباهرة، اعترافا بالجميل لهم. برزت 3 أسماء في هذا البرنامج لحدّ الآن في هذه السلسلة الجديدة، هم محمد عبيد المهندس بوكالة الفضاء الامريكية(الناسا)، العالمة ألفة كانون مديرة مختبر للاستشعار عن بعد في المانيا، ود. سامي الفخفاخ أخصائي جراحة المجاري البولية الذي يخوض تجربة رائدة وناجحة مع الربو/الجراحي في المستشفى الجامعي بجزيرة لاراينيون La Réunion  الفرنسية،  وتقع تحديدا بين جنوب افريقيا وجزيرة موريسبالمحيط الهندي. في هذا الحيز البرامجي تتم استعادة ذكرياتهم المتدفقة والزاخرة بطريقة بارعة واسرة وذات عمق انساني.

الحقيقة اعتبرت ان استضافة د. سامي الفخفاخ وغيره جعلت من راديوصفاقس على مدى 30دقيقة مكانا سحريا وعجيبا، يثير خيال المستمع صراحة.  فهو إزاء  “قصة نجاح” حيّة مع مهندسها وصانعها، ثم هو يكتشف من وراء هذا الضيف قنديلا من الذكريات علما وخبرة ومعرفة تراكمية، لكن أيضا  جهدا وعرقا ومتاعب وتضحيات ! انها دلالات الكلمة وما قد يكمن وراءها من عذوبة وإصرار ومثابرة.

لقد حفّز البرنامج العديد من مناطق الأسئلة مع ضيفه . وعلى ضوئها اعترف د. سامي الفخفاخ بأن الفضل يرجع إلى العديد ممّن زوّدوه فيما مرّ من جسر العمر بالمساعدة والتشجيع من المعلّمين والأساتذة في التعليم الابتدائي، فردوس الطفولة المضيئة(مدرسة الهداية بقابس، ومدرسة البساتين بطريق تنيور)  الى التعليم الجامعي، ذلك المكان والزمان المقدس الذي يحافظ على صورة مثالية للحياة (كلية الطب بصفاقس) مرورا بالتعليم الاعدادي والثانوي(علي بلهوان معهد 18 جانفي، والمعهد الفني بصفاقس) وقد ذكر أسماء عديد المعلمين والأساتذة…

وحديث د0 سامي الفخفاخ  يقطر حكمة عن الجسر التعليمي. وعلى أن التعليم يبقى الورقة الرابحة في إعادة الاهتمام بهذا الوطن، وإلى هذه المدينة “الذهبية” اتي اشتهرت منذ الاستقلال على الأقل بالمنزلة المتفوقة. والواقع أن السجل التاريخي لمدينة صفاقس يحكي عن مدينة مشهورة بالعلم والتجارة منذ زمن ضارب في القدم. لقد مثل أمامي هذا الوضع بعد أن أخذت التحوّلات تعصف بالتاريخ التربوي لبلادنا.

 وبرزت في حديثه أسماء كانت له مصادر للتجربة والإلهام علي غرار د. وسيم شعبان الذي يعترف له بالفضل في اختيار اختصاص جراحة المسالك البولية، الذي هو اختصاصه هو الآخر. وقد برهن الاثنان على قدر مرتفع من الجدارة المهنية في هذا الميدان، دعمه كذلك في الالتحاق بمستشفى الأورام بمرسيليا، ومركزه البحثي. وهما الى اليوم لا ينقطع التشاور العلمي الطبي بينهما، كما يشتركان ثنائيا في أهم المؤتمرات الدولية. وفي المستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة استحضر كلمات رائقة زاخرة بالمعاني عن استاذيه د. نبيل المهيري ود. علي البهلول، ود. الجراح .سفيان غربالبمستشفى الأطفال بتونس ود.عبد الجليل الزاوش الطبيب الجراح بمستشفى شارل نيكول. وفي رحلته بين مستشفيات فرنسا يعدد مدن روان Rouen   وباريس وتولوز أين التقى د.حاتم الفريخة ولم يبخل عنهبخبرته وعلمه. وباختصار كل رحلة كانت حسبما ظهر من حديث الضيف المبجّلهي مصدر للمحبة وللتأملات والذكريات، وكل رحلة هي بالنسبة له، بشكل ما، رحلة التراكم المعرفي.

وفي دائرة الاعتراف بالفضل اعترف د.سامي صغير العائلة، الطفل المدلل باسم “سمسم” بقدوة الوالدين الغائبين، وبالأشقاء الذين قدموا له المساندة العاطفية: ليلى ومنذر ورجاء.

مدى الاستضافة على أمواج إذاعة صفاقس لم يتجاوز 30 دقيقة مع د. سامي الفخفاخ المختص في المسالك البولية، الحاصل على شهادة في جراحة الأورام، وشهادة في التعاطي مع الربو-الجراحي والذي يقود حاليا فريقا من الأطباء في جزيرة (لاراينيون) تمرسوا على استعمال  التقنيات الجديدة الى درجة ان هذه العمليات أصبحت تجرى أسبوعيا. ولكن يبقى للإذاعة فضل واجب البحث والكشف عن الدرر المكنونة، وكوكبة المتفوقين من أبناء المدينة في مواحي العالم، وتحيل المستمعين على كتاب حياة مختزلة.

من ناحيتي لقد عرفت د. سامي الفخفاخ في مرسيليا مرحبا وحفيّا، طلق المحيا، يفيض تأنقا ورصانة وكفاءة. والذي لم يذكره، لا شك تواضعا منه، في هذا البرنامج أنه مكّن  20 تونسيا من الجراحة – الربوتية في مؤتمرات عالمية متعاقبة بالمستشفى المختص في الأورام Salvator Paoli Calmettes سلفاتور باولي

بمرسيليا دون مقابل، بالتعاون من خلال جسر إنساني واخلاقي ومدني مع  د. وسيم شعبان الباحث بمخابر هذا المستشفى والجراح السابق به، المستقر حاليا بتونس العاصمة.  وتشمل شريحة المرضى أعمارا متفاوتة، تنتميإلى جهات مختلفة من البلاد التونسية، ولها وضعيات اجتماعية متنوعة.أكثر من ذلك كانت كلّ عملياتهم ناجحة، وتشكّلت حياتهم من جديد.

وعلى سبيل الخاتمة وحتى أنتقل من التأمّل الحسي إلى التأمّل الفلسفي.  عندما أنظر في خارطة تجربة  د. سامي الفخفاخ، دون أن أتحدث عن الجغرافيا، أردت أن أثير هذا المبحث في المتفوقين من الجنسين، هل هي الخلفية الأسرية الخاصة بهم؟ هل هو التعليم؟ هل هو الذكاء؟ وهل هي الظرفية الزمنية التي عاشوا فيها؟  هذا ما توحي به ثقافة المذياع التي من المفروض أن تشكّل دائما أفقا إنسانيا ورمزيا وثقافيا وإعلاميا وإبداعيا بغاية شحن هذه التجارب بالوقود اللازم من أجل استمرارها وتكاثرها.

د.رضا القلال

مواضيع ذات صلة