صفاقس بعض الإدارات المكيّف يخدم والمكتب فارغ والدولة تدفع الثمن.
توجه عم بشير إلى إحدى الإدارات العمومية لقضاء شأن إداري مستعجل، سأل الإستقبال عن كيفية الحصول على وثيقة تخصه، أشار إليه العون بالتوجه لسي فلان، موجود بالطابق الثالث.
صعد الرجل المصعد، وتوجه نحو المكتب، طرق الباب… لا جواب. نظر يمنة ويسرة… لا موظف، لا مسؤول، المكتب مغلق.
لكن وسط هذا الصمت، سمع صوتا مألوفا ، اقترب من المكتب ووضع سمعه على الباب ، فإذا بالمكيف يعمل بكل نشاط، وكأنه الموظف الوحيد الذي لم يغادر مكانه.
وقف عم بشير ، ثم قال ” على الأقل لقيت واحد يخدم”، المكيف يعمل بكد وجد.
تردد قليلا، ثم جلس على الكرسي الموجود أمام المكتب، وهو ينتظر الموظف الذي يبدو أنه منح نفسه استراحة أطول من ساعات العمل. وبعد دقائق، خطر بباله أن يخرج ورقة ويكتب عليها، “شكرا للسيد المكيف، الموظف الأكثر انضباط في هذه الإدارة، فهو أول من يحضر وآخر من يغادر.”
بل إن عم بشير فكر في تقديم مطلب إلى الإدارة يقترح فيه ترقية المكيف إلى رئيس مصلحة، فهو الوحيد الذي لم يتغيب، ولم يطلب عطلة، ولم يرفض استقبال المواطنين.
غادر العم بشير الإدارة، واستقل المصعد، لكن الأسئلة لم تغادره. ظل يحدث نفسه قائلا، “من سيدفع فاتورة الكهرباء؟”، “هل يفعل الموظف ذلك في منزله؟ هل يخرج تاركا جهاز التكييف يعمل لساعات دون حاجة؟”
“ولماذا تُطالب الإدارات المواطنين بترشيد استهلاك الكهرباء، بينما لا تطبق هي نفسها ما تدعو إليه؟”
خرج العم بشير من المبنى وقد وصل إلى قناعة، الوحيد الذي واصل أداء عمله بإخلاص داخل ذلك المكتب هو المكيف. أما فاتورة الكهرباء، فستسدد كعادتها من المال العام، ذلك المال الذي لا ينسى أحد إنفاقه، بينما ينسى كثيرون المحافظة عليه.
ويبقى السؤال الأهم، كم من “عم بشير” في صفاقس عاش الموقف نفسه؟ وكم مكتب مغلق ما زالت أجهزة التكييف فيه تعمل.
أسامة بن رقيقة




