
عملية ” السيوف الحديدية ” وأوهام السلام ….ياسين فرحاتي- كاتب من تونس
هل كشفت عملية ” السيوف الحديدية ” عن أوهام السلام المتضمنة في ” إستراتيجية إسرائيل لسنة 2028 ” و قد ثم إسقاطها تحت تأثير ضربات المقاومة الموجعة و أي دور للمجتمع المدني في مواجهة اليمين المتطرف ؟!
رغم الحصار الخانق لسنوات عديدة و في شبه عزلة عن العالم، إلا أن غزة لم تمت بل تنبض بالحياة و بالأمل المتوقد و هي مفارقة عجيبة. وهو ما أثبتته عملية ” طوفان الأقصى ” البطولية التي صنعت تاريخا جديدا لفلسطين و للعرب و المسلمين قاطبة. و لا زالت تؤكد هذه الأيام مدى صبر و صمود و تحدي المقاومة الباسلة لآلة الحرب الإسرائيلية رغم ما قدمت من تضحيات جسام حيث فاق عدد الشهداء 8000 شهيد نصفهم أطفال كما بلغ عدد الطلبة المستشهدين 2000 طالب وهو يكشف بالفعل عن الوجه الحقيقي البشع و القبيح و اللاأخلاقي و اللاإنساني لهذا المحتل. لقد دفع الصحفيون الفلسطينيون من دماءهم الزكية فداء لهذا الوطن الغالي 24 صحفيا دون أن ننسى 12 فردا من عائلة مراسل قناة الجزيرة وائل الدحدوح من غزة كسائر أبناء الشعب الفلسطيني الصابر على آلامه و أوجاعه و مآسيه و من أعظم ما قاله عند سماع الخبر الصاعقة باستشهاد زوجته المربية آمنة و هي إبنة عمه و إبنه و إبنته و حفيده بنبرة تحدي و ثبات : ” ما عليش ! “. يعني سنواصل المسيرة و بالفعل رأيناه يعود لنقل الأحداث كما عهدناه بل كان في مسامرة ليلية ينشد أغاني وطنية و دينية فلسطينية تقوي الإيمان و تنزل على القلب الطمأنينة.
على الميدان و في ساحة الوغى و من تحت الأنفاق، قال الناطق بإسم كتائب القسام أبو عبيدة في أحدث بياناته العسكرية :” أن هذه المعركة ستكون حاسمة في تاريخ الأمة ” مما نفهم منه أنه لن نرضى بغير النصر و هو ما تفعله عندما تباغت القوات البرية الإسرائيلية التي تحاول التوغل من الخلف و تكبدها الخسائر كما أنه أيضا، يريد أن يقول لنتانياهو مثلما قال المجاهد الليبي الشهيد عمر المختار قبل أن يعدم للمحتل الإيطالي :” نحن لن نستسلم ننتصر أو نموت ! “.
كان هذا موجزا للواقع اليومي و الميداني للمواطن الفلسطيني بمختلف أطيافه و مكوناته و هو مقدمة لجوهر موضوعنا المتعلق أساسا بدراسة تحليلية أجرتها إسرائيل خلال السنوات الماضية عنوانها ” إستراتيجية إسرائيل 2028 م ” أجراها مجموعة من الباحثين يرأسهم الأستاذ الدكتور إبراهيم البحراوي بمساعدة الأستاذ الدكتور هدى درويش عنوانها ” العرب أمام تحديات إستراتيجية “.
تهدف الاستراتيجية العبرية إلى اللحاق بركب التقدم بوضع نفسها ضمن الدول ال10-15 الرائدة في إنجازاتها الاقتصادية و المجتمعية و التكنولوجية و التعليمية و تحسين مستوى دخل الفرد…
و في الحقيقة الإسم الكامل لتلك الاستراتيجية هو ” إسرائيل 2028 م .. رؤية و إستراتيجية للاقتصاد و المجتمع في عالم الإطار الواحد “. و قد صاغها المجتمع المدني عام 2008، مكونا من العلماء و رجال الأعمال و المدراء و الخبراء اليهود في إسرائيل و دول أوروبا و الولايات
الولايات المتحدة الأمريكية ضمت 73 خبيرات برئاسة إيلي هورفيتس، رئيس أصحاب الصناعات الإسرائيلي سابقا. و قد صدرت الاستراتيجية بلغتين هما العبرية و الأنجليزية. و طبقا لنصوص الاستراتيجية فقد إنبثقت كخطة تنمية و إصلاح شامل نتيجة الإحساس على مستقبل الدولة بسبب المعوقات المتجذرة في المجتمع و الاقتصاد، و هي معوقات غير عصية عن الحل بسهولة و من ضمن الأهداف التي حددتها الخطة ما يلي :
1- تحقيق نمو اقتصادي سريع و متوازن.
2- تقليص الفجوات الاجتماعية.
3- إشراك جميع شرائح المجتمع في مواجهة التحديات.
و يرى مهندس هذه الاستراتيجية أن هذه الأهداف الرئيسية ترتبط ببعضها في نسيج واحد ارتباطات وثيقا، و لا يمكن تحقيق واحد منها دون الآخر و دون تبني الاستراتيجية بالكامل. كما يرهنون قدرة إسرائيل على تحقيق انتعاش اقتصادي و اجتماعي إلى حد كبير بتعزيز التوجه نحو السلام و الهدوء في المنطقة، سواء في المحيط المباشر الذي يضم السوريين و الفلسطينيين و اللبنانيين، أم في محيط التهديدات الأبعد المتمثل في إيران و غيرها من مراكز ” الإسلام المعادي ” على حد تعبير واضعي الاستراتيجية و هي عبارة عن مجموعة من السياسات و الإجراءات فيىمجالات الاقتصاد الكلي و السياسة النقدية و المالية و سوق العمل و التعليم العالي و العولمةةو البنى التحتية و حوكمة الإدارة و القطاع العام.
يؤكد الدكتور فتحي العفيفي و هو عضو في فريق البحث من خلال مقالة له بعنوان :” أبعاد التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي و متغيرات العولمة “، أن ” إسرائيل كيان سياسي قلق، لذلك هي تحتاج دائما إلى تحسس موضع الأقدام، و التفكير في المستقبل وفق آليات التخطيط المتعارف عليها علميا و منهجيا، لأجل البحث عن حلول للتحديات العديدة التي تحيط بها من كل اتجاه، و هي كذلك تعاني أزمات حادة و عنيفة، لعل أبرزها على الإطلاق، تلك المرتبطة بأزمة الشرعيةوفي علاقتها بصراعات تاريخيةةعميقة ضد العديد من الدولةالعربية و الإسلامية.” و ليس أدل على ذلك الآن الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين في قطاع غزة و الضفة الغربية و ضد حزب الله البناني و ضد الجيش السوري، و هي حروب متكررة و يعتبرها مصيرية و وجودية. ” كما إنطواء هذا الكيان الغاصب و الدولة المارقة على تنوع عرقي و ديني يعمل من الاختلاف و الهوية بين جزئياته “.
و عموما فإن التفكير في المستقبل، هو إتجاه مستقر في الأبيات السياسية منذ نشأة جمعية المستقبل العالمي في العام 1966، و كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي المبادرة في هذا المجال ثم تبعتها فرنسا و بعض الدول الأوروبية و الإسيوية ثم إسرائيل: بحيث قام هذا العلم على مرتكزات ثلاثة :
1- التخمين : و هو المتأمل المنظم تنظيما عقليا يتبنى الباحث بموجبه اتجاها معينا،
2- التنبؤ : و هو إتجاه تحليلي يأخذ بعين الاعتبار الاحتمالات المختلفة في استشراف المستقبل،
3- النبؤة : وهي مجموعة العمليات العقلية التي تشخص حادثة معينة لأجل التوصل إلى نتائج محددة، ناهد صالح : المنهج في البحوث المستقبلية، عالم الفكر، مجلد 14، عدد يناير – مارس 1984 الكويت 1984م، ص 197، و كذلك محمود زايد : علم المستقبل في وقتنا الحاضر، الفكر العربي، عدد 10، مارس- أبريل 1979، بيروت 1979، ص 26.
من هذه الرؤية الجديدة التي تقدم للقارىء العربي وهي قد سبقت المنعطف و المنعرج الخطير و أقصد “الحدث ” بأتم معنى الكلمة و هو عملية ” طوفان الأقصى “، أنه لأول مرة سنة 2008، في الدراسات الإسرائيلية نخبة تدعو صناع القرار إلى ضرورة هجر الهواجس الأمنية العتيقة و الإقلاع عن فكرة أن إسرائيل كيان مهدد بإستمرار، و أنزاليهود إذا ظلوا أسيري هذا الاعتقاد لا يمكنهم أبدا التقدم خطوة إلى الأمام، ظهر فريق لا بأس به إذا يدعو إلى الحوار و التعايش و التفاوض و تعظيم قيم السلام، و إحلال التنمية و التقدم محل الصراع و الحروب.
مقارنة بما جرى و يجري منذ السابع من أكتوبر الجاري، يمكن الإقرار صراحة أن الحلم برخاء و رفاه اقتصادي في إسرائيل صار حلما صعب المنال حيث الخسائر الفادحة التي يمنى بها جراء القصف و الضربات القوية التي إستهدفت في عديد الأحيان عصب الاقتصاد الإسرائيلي. و هو أمر يؤثر نفسيا على معنويات المواطن الإسرائيلي الذي يخشى كثيرا من الموت على العكس تماما من المواطن الفلسطيني الذي يحمل قضية في أعماقه يدافع عنها بكل استحقاق و جدارة. كما يجب الإعتراف بفشل منظومة الاستشراف و جهاز الاستعلامات الإسرائيليين و معهما مراكز البحث و الدراسات الاستراتيجية الأمريكية و الغربية كونهم يعملون معا جنبا إلى جنب مع الكيان الصهيوني. كما نستنتج من خلال إستراتيجية 2008، أن المجتمع الإسرائيلي لا يؤخذ كثيرا برأيه من قبل السلطة و هو ما نراه من مطالبات من المعارضة اليسارية و المجتمع المدني و أسر الرهائن من ضرورة حل الملف على أساس قاعدة التبادل بين الطرفين و هو ما ترفضه حكومة نتانياهو المتطرفة و الفاشية و أخيرا نختم بنتيجة مفادها أن قادة الكيان الحاليين غير جادين إطلاقا في أي سلام و إنما هي بالفعل سلطة قائمة على الظلم و القهر و اغتصاب الحقوق و أنه حسب الحاخامات اليهود إسرائيل هي كيان مناف لتعاليم التوراة على أساس كونهم ” لا يجب أن يؤسسوا دولة بل أن يعيشوا مشتتين ” و أنه يجب أن يزول طال الزمن أو قصر ملكهم و عمرانهم بالعودة مرة أخرى تلو المرة إلى ما قاله العلامة إبن خلدون أن زوال الأمم و الدول قادم لا محالة على أساس أن الحضارت التي تكون غير قائمة على العدل بل على الفساد في الأرض يشملها هذا القول و إسرائيل ضمن هذه الكيانات. و أنهم قد يصبحون من جديد كيانات سياسية صغيرة جدا مشتتة ضعيفة كحال الدول الكبيرة عندما تنهار و لعله قد حان أوان سقوطها و الله أعلم ! مثلما قال هذا الأسبوع “رئيس مجلس علماء المقاومة السني ” في لبنان في حوار مع الصحفي زهير لطيف من قناة تلفزة تي في التونسية.