عُنف، قلة تركيز، تواكل، تراجع في النتائج المدرسية : لماذا تغيّر أطفالنا؟
الطفولة مرحلة هامة ودقيقة في حياة الفرد.. هي المرحلة التي يبدأ فيها الإنسان بمعرفة الدنيا وبناء شخصيته وتحديد أهداف وجوده في الحياة.. فكيف حال أطفالنا وأين هم من هذا ؟ في الواقع، لقد دقّ ناقوس الخطر منذ عشرات السنين على الأقل في ما يخص العائلة بصفة عامة والأطفال بصفة خاصة…
صغارنا ربّتهم بعض وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة بما تحتويه من ميوعة وانحلال وانحرافات وهم أبناء عصر مادّي انحدرت فيه قيم الكبار -قدوتهم- واختلط فيه الحابل بالنّابل… فإذا كانت وسائل الإعلام والانترنت تبثّ “أولاد مفيدة” وتبلّد الفكر وتمرّر برامج الهرج والعنف والتجاوزات حتى في مقابلة كروية وإذا كانت الألعاب الإلكترونية مسمومة وإذا كان المحيط مليئا بالغش وقلة الاحترام والوعي فكيف سيكون الطفل ؟ صحيح أنه ملائكة وصفحة بيضاء، ولكننا نلوثه حتى نفسد ذوقه وروحه فلا يبلغ السادسة أو السابعة (سن التمدرس) حتى يتشبّع بالقيم الخاطئة…
قِيَم بعضها يسخر من الأستاذ الذي أصبح أو يكاد “كراكوز” وساهم المجتمع في السخرية منه ومن علمه وضخّم من تجاوزات البعض فعمّمها على رجال التربية بينما هم يشقون ويتعبون ويحاولون إصلاح ما فسد ولكن هيهات هيهات… أنّى لهم ذلك والطفل اليوم مدلّل أكثر من ذي قبل أو هو غير شاعر بمسؤولياته ؟ الطفل اليوم عنيف جدا مع أصدقائه : سبّ وكلام بذيء وضرب وعراك وصراخ.. الطفل اليوم لا يسمع نصيحة بل قد يسخر منها… الطفل اليوم لا يعرف معنى التعب والمكابدة والصبر والعزيمة والبذل والجهد من أجل التغلب على المصاعب أو من أجل التحصيل العلمي… هو متواكل ومتكاسل… وهذا خطير لأن رجال الغد ونساءه سيكونون دون روح ودون قِيَم ودون فكر ودون إرادة تقاوم عواصف الدنيا التي قد تفاجئهم أو سيلجؤون للانحرافات أو للشكوى والسلبية واللامبالاة والخمول والكسب السهل دون عمل ودون جَلَد كما بعض الشباب اليوم… وسيعيشون على الهامش مع الهروب من كل مسؤولية حتى لو كانت طبخ بيضة…
من جهة أخرى، قد يكون الطفل معرضا للعنف في محيطه الأسري وقد يكون مضغوطا بكثرة الدراسة من الصباح حتى المساء بعيدا عن اللعب والترفيه وممارسة هواياته والعيش مع عائلته… ربما كان عليهم أن يمنحوه راحة كل ساعة في الابتدائي بدل الدراسة ساعتين متتاليتين مع برامج بعضها أكل عليها الدهر وشرب… والأستاذ مكبّل بها ولا يستطيع الاجتهاد كثيرا فهل يستطيع أن يلعب معهم طول الوقت حتى يتهموه بإضاعة الدرس ؟ أم هل المطلوب منه أن يكون مهرّجا حتى يرضيهم ؟ ولن يرضيهم أي شيء فهم مشوّشو التركيز سريعو الملل كثيرو الحركة…
إن بعض التلاميذ اليوم هشّ وضعيف العزيمة وخامل وبليد الفكر بالإضافة إلى العنف وقلة الاحترام.. وهذا موضوع يجب أن ندرسه ونحدد المسؤوليات : أهي الأسرة أم الإعلام والانترنت أم هي المادية والمجتمع الذي تفسخت قيمه أم برامج المقاربة بالنفايات التي أنجزها جامعيون لا يفقهون من برجهم العاجي أم ننسى كل ذلك ونجعل الأستاذ كبش الفداء وهو الذي يوشك أن يصبح “كراكوز” في هذا الزمن المعكوس ؟
سامي النيفر






