في تونس يتوزع المشهد السياسي على ثلاثة توجهات رئيسية…سامي الجلولي

في تونس يتوزع المشهد السياسي على ثلاثة توجهات رئيسية…سامي الجلولي

22 جويلية 2026، 21:14

​أولا، أنصار السلطة وهم أولئك الذين يقفون دوما مع السلطة مهما كانت توجهاتها وخلفياتها. فتغير الرئيس أو سقوط النظام لا يغير في مواقفهم شيئا، نظرا لامتلاكهم سرعة تكيف عالية جدا. هذا التيار عادة لا يربط ولاءه بمشروع فكري أو برنامج مجتمعي، بل بوجود السلطة نفسها كمركز ثقل وقدرته على إعادة إنتاج الولاء بغض النظر عن هوية الحاكم وطريقة تسييره للدولة…
​ثانيا، أنصار المعارضة التقليدية وهي معارضة حاولت سابقا إخراج بعض الأصوات حتى داخل الحزب الواحد كمنفس لقياداتها الرمزية وقد رأينا ذلك مع كل من حركة النهضة، الترويكا، نداء تونس (استثنيت الحزب الدستوري الحر لكونه لم يشارك في السلطة)، وقد ساهم التطور التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي في إبراز هذه الأصوات ومنحها مساحة من الحرية لفترة، قبل أن تنكفئ على نفسها. تعاني هذه المعارضة من أزمة شيخوخة تنظيمية وفكرية وعجز عن مواكبة نسق العصر وبقيت محكومة بمنطق الزعيم الأوحد أو الحزب القلعة، فانكفاؤها الحالي نتيجة حتمية لتشبثها بخطابات تجاوزها الزمن…
​ثالثا، هناك الصوت الثالث أو ما يمكن أن نطلق عليهم بالإلكترونات الحرة Electrons libres…
وهي أصوات وأحيانا مجموعات صغيرة غير منظمة ولا مهيكلة، تقع خارج صندوق السلطة والمعارضة وخارج النظم التي تحكم العمل السياسي المؤطر.
هذه الأصوات لم تظهر من فراغ، بل هي خلاصة الإحباط من الثنائية العقيمة، سلطة راكدة ومعارضة فاشلة.
يتميز هذا التيار بالتحرر الفكري والقراءات الجريئة غير المكبلة بالولاءات الحزبية أو الأيديولوجيات الصلبة، فضلا عن نسبة عالية من الواقعية والموضوعية والابتعاد عن الأفكار الوجدانية أو الشعبوية، مع دعوة صريحة للتشبيب وانتزاع المساحات السياسية من أجيال لم تفهم متطلبات العصر الرقمي…
​لكن، رغم امتلاك التيار الثالث لقوة الأفكار والرؤية، يفتقر لقوة الإنجاز والتنظيم الهيكلي الذي يحميه من التشتت وإن كان يجنبه التدجين. هذا التيار سيصطدم بواقع الشارع الذي تطغى فيه الدروشة السياسية وتغلب فيه قوة الولاء على قوة الأفكار…
​إن أصحاب التيار أو الصوت الثالث يمتلكون الشجاعة والتشخيص السليم، لكنهم يفتقرون للآليات الميدانية والبنية التحتية اللوجستية التي تمتلكها الأحزاب التقليدية والتي كما ذكرنا تملك الهيكل بينما في حاجة إلى تطوير المحرك…
لذلك، فإن تلاقي قوة الأفكار لدى الفكر المستقل بقوة الهيكل لدى الأحزاب، شريطة أن تقبل هذه الأخيرة بالنقد والتشبيب، يمكن أن يشكل الحقل المغناطيسي المنشود لتوليد طاقة قادرة على إضاءة المنظومة وتحويل التململ الفردي إلى قوة دفع جماعية…
​ولكن الأمر ليس سهلا أو بالبساطة التي نتخيلها… فالهياكل التقليدية، سواء في السلطة أو المعارضة، مصممة لمقاومة أي جسم غريب وتعتبر التجديد تهديدا لمصالحها ومربعات نفوذها ونادرا ما تتنازل عنه طوعا…
من هنا، فإن رهان الإلكترونات الحرة الحقيقي يكمن في فرض أنفسهم كأمر واقع عبر الفعل الرقمي، الضغط البديل وصناعة وعي مجتمعي خارج الأطر الحزبية، حتى تصبح كلفة تجاهلهم أعلى من كلفة استيعابهم…
​(هذه قراءة موجزة للواقع السياسي، لا تتوجه لحزب ولا إلى أفراد أو مجموعات بذاتها، بل محاولة لتفكيك المشهد السياسي بصفة عامة).
▪️سامي الجلّولي

مواضيع ذات صلة