قانون الشيك في تونس حل أم مشكل؟ بقلم : محمد جمال الشرفي.

قانون الشيك في تونس حل أم مشكل؟ بقلم : محمد جمال الشرفي.

14 سبتمبر 2026، 21:15


هذا النص يطرح في جوهره مسألة تتجاوز قانون الشيكات نفسَه، ليمسّ طبيعة الاقتصاد التونسي وطريقة اشتغال منظومة التمويل والضمان والدفع. ويمكن صياغة الفكرة في مقال تحليلي متماسك على النحو التالي:
قانون الشيكات لم يكن في حدّ ذاته هو المشكلة، بل المشكلة الحقيقية كانت في الطريقة التي استُعمل بها الشيك داخل الاقتصاد التونسي. فقد تحوّل الشيك، على مدى سنوات، من وسيلة دفع إلى أداة للضمان والتمويل، وأصبح في كثير من المعاملات يقوم بوظائف لا يفترض أن يقوم بها أصلاً. وعندما يأتي الإصلاح القانوني ليغيّر قواعد استعمال الشيك من دون أن يوفّر في الوقت نفسه منظومة بديلة للضمان والتمويل والدفع، فإن النتيجة الطبيعية ليست اختفاء المشكلة، وإنما انتقالها من مكان إلى آخر.
المفارقة أن تونس كانت قد طوّرت، عبر الممارسة، منظومة اقتصادية اعتاد فيها التجار والحرفيون والمؤسسات والمستهلكون على التعامل بالشيكات. كانت المنظومة تعاني من اختلالات واضحة، لكنها كانت تؤدي وظيفة اقتصادية حقيقية. لذلك فإن تغييرها كان يفترض أن يتم ضمن إصلاح شامل، لا من خلال معالجة الشيك بمعزل عن بقية المنظومة المالية والاقتصادية.
أحد أكبر الاختلالات التي كشفها الواقع هو استعمال الشيك كوسيلة ضمان. ففي عدد كبير من المعاملات، لم يكن الشيك يُسلّم باعتباره وسيلة دفع فورية، وإنما كان يُستعمل لضمان دين أو لتأجيل الدفع أو لتمويل عملية شراء. وهنا يصبح السؤال الأساسي: إذا أردنا الحد من استعمال الشيك بهذه الطريقة، فما البديل؟ هل توجد اليوم أدوات ضمان بسيطة وفعالة ومتاحة للجميع؟ وهل توجد وسائل تمويل تستطيع المؤسسات الصغيرة والتجار والمستهلكون الوصول إليها بسهولة؟ وهل توجد وسائل دفع بديلة قادرة فعلاً على القيام بالدور الذي كان يؤديه الشيك؟
المشكلة أن الإصلاح القانوني لم يأت، بالقدر الكافي، ضمن هذه الرؤية الشاملة. ولذلك أصبح المواطن مطالباً بالتخلي عن أداة اعتاد استعمالها، من دون أن يجد دائماً بديلاً عملياً يؤدي الوظيفة نفسها.
وهنا تظهر نتيجة أخرى أكثر خطورة، وهي أن جزءاً من النشاط الاقتصادي لم يعد ينتقل من الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد المنظم، بل يمكن أن ينتقل في الاتجاه المعاكس. فعندما تصبح الوسائل الرسمية للتمويل والضمان والدفع أكثر تعقيداً أو أقل مرونة، يبحث الفاعلون الاقتصاديون بطبيعة الحال عن حلول أخرى. وهذا ما يفسر جزئياً توسع ما يمكن تسميته دوائر التمويل الموازي، من الاقتراض غير الرسمي إلى بعض أشكال الإقراض الاستهلاكي المكلف.
كما أن المنصة التي أُحدثت للتحقق من توفر الرصيد جاءت، وفق هذا الطرح، بفكرة تبدو في ظاهرها تقنية وشفافة، لكنها لم تحل المشكلة الاقتصادية الأصلية. فبعد مرحلة أولى أصبح فيها التحقق من الشيك أكثر سهولة، تغيّر السلوك تدريجياً. وأصبح قبول الشيك مرتبطاً بدرجة أكبر بالثقة الشخصية بين الأطراف: أعطني الشيك، وإذا كنت أعرفك أقبله، وإذا لم أعرفك فقد أرفضه. وبذلك لم تختفِ مشكلة الثقة، وإنما أعيد توزيعها داخل السوق.
وهذا يقود إلى نتيجة أعمق: عندما تفقد أداة مالية وظيفتها من دون أن تظهر أداة بديلة بالفاعلية نفسها، فإن السوق لا يتوقف، وإنما يبحث عن بدائل. والبديل قد يكون قانونياً ومنظماً، وقد يكون أكثر كلفة، وقد يكون خارج المنظومة الرسمية بالكامل.
من هنا يمكن فهم جانب من الانتقادات الموجهة إلى الإصلاح. فالمسألة لا تتعلق فقط بعدد الأشخاص الذين كانوا يدخلون السجن بسبب شيكات دون رصيد، رغم أن هذا الملف كان يحمل فعلاً أبعاداً اجتماعية وقانونية خطيرة. المسألة تتعلق أيضاً بآلاف المعاملات اليومية التي كانت تعتمد على الشيك باعتباره أداة للثقة والضمان والتمويل المؤجل.
كان من الضروري معالجة ظاهرة الشيكات دون رصيد، والتمييز بوضوح بين المتحيل الذي يتعمد الإضرار بالغير وبين صاحب المؤسسة أو التاجر الذي وجد نفسه عاجزاً عن الوفاء بسبب إفلاس أو أزمة سيولة أو ظروف اقتصادية خارجة عن إرادته. لكن معالجة هذه المشكلة لا تعني بالضرورة إلغاء الوظيفة الاقتصادية التي كان الشيك يؤديها في السوق من دون بناء بديل.
والأخطر أن غياب البدائل قد ينعكس على النشاط الاقتصادي نفسه. فالتاجر الذي كان يستطيع بيع سلعة مقابل عدة شيكات مؤجلة، قد يصبح أكثر تحفظاً في البيع. والمستهلك الذي كان قادراً على شراء تجهيزات أو أثاث أو حاسوب أو غيرها عبر الدفع المؤجل، قد يفقد هذه الإمكانية. والمؤسسة الصغيرة التي كانت تستخدم الشيك في إدارة السيولة قد تجد نفسها أمام صعوبة أكبر في تمويل نشاطها.
وهكذا لا يعود النقاش متعلقاً بالشيك فقط، وإنما يصبح متعلقاً بالسيولة وبالائتمان وبقدرة الاقتصاد الحقيقي على الوصول إلى التمويل.
وفي هذا السياق، يصبح من المهم أيضاً النظر إلى مسألة السيولة التي يضخها النظام المالي والاقتصادي. فزيادة الكتلة النقدية أو السيولة في الاقتصاد لا تعني بالضرورة أن هذه السيولة تصل إلى كل الفاعلين الاقتصاديين بالطريقة نفسها. قد تكون السيولة موجودة، ولكن الوصول إليها موزع بشكل غير متكافئ بين المؤسسات والأفراد والقطاعات. ومن يمتلك علاقة أفضل بالبنوك أو ضمانات أكبر أو قدرة أكبر على الاقتراض، يكون في وضع مختلف تماماً عن صاحب مؤسسة صغيرة أو تاجر لا يمتلك الضمانات نفسها.
وهنا تظهر فكرة «الريع الجديد». فالريع لا يعني دائماً امتلاك ترخيص حصري أو حصة في سوق معينة. يمكن أن يظهر أيضاً عندما تصبح أداة التمويل أو السيولة نفسها متاحة بدرجات مختلفة بين الفاعلين. من يستطيع الوصول إلى البنك والسيولة والائتمان يمتلك قدرة أكبر على النشاط والتوسع، بينما يجد الآخر نفسه مضطراً إلى البحث عن تمويل أغلى أو غير رسمي.
وتبرز في هذا السياق ظاهرة التمويل الصغير، الذي أصبح بالنسبة إلى فئات واسعة من المواطنين والمؤسسات الصغيرة أحد البدائل المتاحة عندما يصعب الوصول إلى البنوك. لكن ارتفاع كلفة هذا النوع من التمويل، بحسب الحالات والعقود والمنتجات، يجعل البديل في حد ذاته مكلفاً، وقد يحوّل مشكلة نقص التمويل إلى مشكلة مديونية أكثر كلفة.
وبالتالي، فإن إصلاح الشيكات لا يمكن أن يُفصل عن إصلاح منظومة التمويل بأكملها. إذا أغلقت باباً من أبواب التمويل المؤجل، يجب أن تفتح أبواباً أخرى. وإذا منعت استعمال الشيك كضمان، يجب أن توفر أدوات ضمان بديلة. وإذا أردت تقليص المعاملات النقدية، يجب أن تجعل وسائل الدفع الإلكترونية والكمبيالات والتحويلات وغيرها سهلة وموثوقة وقابلة للاستعمال اليومي، لا أن تجعل البديل أكثر تعقيداً بالنسبة إلى المواطن والتاجر.
وهنا تظهر أيضاً مسألة الكمبيالة، التي لا يمكن تقديمها ببساطة باعتبارها البديل السحري للشيك. فالأداة المالية البديلة يجب أن تكون سهلة ومرنة ومفهومة وقابلة للتنفيذ، وإلا فإن المواطن سيجد نفسه أمام إجراءات إدارية وتعقيدات لا تشجعه على استعمالها.
القضية نفسها تظهر في مناطق مثل بن قردان، حيث لا يمكن النظر إلى الاقتصاد الموازي والتهريب باعتبارهما مجرد مشكلتين أمنيتين. التهريب نشاط اقتصادي غير قانوني، وله أضرار حقيقية على الاقتصاد وعلى المنافسة وعلى موارد الدولة، لكن محاربته لا تنجح بمجرد تشديد الرقابة. عندما توجد منطقة تعيش منذ عقود على التجارة الحدودية وعلى حركة السلع والعملات والعلاقات التجارية مع الجوار، فإن البديل يجب أن يكون اقتصادياً وتنموياً قبل أن يكون أمنياً.
فكرة تحويل بن قردان إلى منطقة تجارية حرة، أو خلق إطار اقتصادي خاص للمنطقة، كانت في جوهرها محاولة للإجابة عن سؤال حقيقي: كيف يمكن الانتقال من اقتصاد حدودي غير منظم إلى نشاط تجاري منظم تستفيد منه الدولة والمنطقة والسكان؟ لكن إذا تحوّل المسار من البحث عن بديل اقتصادي إلى تضييق متزايد على النشاط التجاري من دون توفير البديل، فإن النتيجة قد تكون عكسية تماماً.
والمفارقة الاجتماعية التي يطرحها هذا الوضع شديدة الدلالة. منطقة كانت مرتبطة تاريخياً بالتجارة والحركة الاقتصادية مع ليبيا، وأنتجت أجيالاً من التجار وأصحاب الأعمال، يمكن أن تجد نفسها أمام شباب يفكرون في الهجرة غير النظامية باعتبارها أحد مخارجهم. لا يعني ذلك أن السياسات الاقتصادية وحدها تفسر ظاهرة الهجرة غير النظامية، فهي ظاهرة عالمية ومعقدة لها أسباب متعددة، لكن من المشروع التساؤل عن أثر انسداد الآفاق الاقتصادية المحلية في خيارات الشباب.
المسألة هنا ليست تشجيع الهجرة غير النظامية، بل العكس تماماً. السؤال هو: كيف يمكن لسياسة اقتصادية أن تجعل منطقة كان يُنظر إليها باعتبارها بوابة للتجارة والاستثمار، عاجزة عن توفير الأمل نفسه لأبنائها؟
وهذا السؤال يعيدنا إلى جوهر المشكلة: لا يمكن إصلاح الاقتصاد بواسطة قوانين منفصلة عن بعضها البعض.
قانون الشيكات، وسياسة التمويل، والسيولة، والقطاع البنكي، والتمويل الصغير، والتجارة الخارجية، والتجارة الحدودية، وتنظيم الأسواق، والاستيراد، كلها حلقات داخل منظومة واحدة. وإذا عولجت كل حلقة بمعزل عن الأخرى، فقد ينتج عن الإصلاح خلل جديد في مكان آخر.
فالسياسة الاقتصادية الناجحة لا تقاس فقط بما تمنعه، وإنما أيضاً بما توفره من بدائل. لا يكفي أن تقول للتاجر لا تستعمل الشيك كضمان؛ يجب أن تعطيه ضماناً بديلاً. ولا يكفي أن تقول للمستهلك لا تعتمد على الشيكات المؤجلة؛ يجب أن توفر له أدوات تمويل معقولة الكلفة. ولا يكفي أن تقول للمؤسسة الصغيرة اذهب إلى البنك؛ يجب أن يكون الوصول إلى التمويل فعلياً ومتاحاً وليس مجرد حق نظري.
والأمر نفسه بالنسبة إلى المناطق الحدودية: لا يكفي أن تقول للسكان إن التهريب ممنوع، بل يجب أن توفر لهم اقتصاداً بديلاً يجعل التجارة القانونية أكثر جاذبية من التجارة غير القانونية.
في النهاية، الخطر ليس في إصلاح قانون الشيكات في حد ذاته، بل في أن يتحول الإصلاح من عملية لإعادة تنظيم الاقتصاد إلى عملية لإعادة توزيع القدرة على التمويل والسيولة بين الفاعلين. فإذا كانت النتيجة أن المؤسسات الكبرى والأشخاص الذين يمتلكون علاقات مصرفية وضمانات قوية يجدون دائماً طريقاً إلى السيولة، بينما يُدفع صغار التجار والمستهلكون إلى التمويل الموازي أو إلى الانكماش، فإننا لا نكون قد حللنا المشكلة، بل نقلناها من الشيك إلى منظومة أوسع من الاختلال.
الإصلاح الحقيقي يجب أن يكون شاملاً: وسيلة دفع بديلة وفعالة، أدوات ضمان بسيطة، تمويل متاح بتكلفة معقولة، حماية حقيقية من التحيل، معالجة عادلة للتعثر، رقمنة فعلية للمعاملات، وتوزيع أكثر توازناً للسيولة والائتمان.
لأن الاقتصاد لا يعيش بالقوانين وحدها. الاقتصاد يعيش بالثقة، وبسهولة المعاملات، وبالقدرة على التمويل، وبوجود بدائل عندما تتغير القواعد. وعندما نغيّر قاعدة أساسية في السوق من دون بناء البديل، فإن السوق سيبني بديله بنفسه، لكن ليس بالضرورة بالشكل الذي تريده الدولة.
والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط: ماذا فعل قانون الشيكات؟ بل: ماذا فعلنا بعد تغيير قانون الشيكات حتى لا نترك فراغاً في منظومة الدفع والضمان والتمويل؟
هذا هو الاختبار الحقيقي لأي إصلاح اقتصادي: أن يغلق باباً لممارسة خاطئة، من دون أن يغلق في الوقت نفسه أبواب النشاط الاقتصادي المشروع.

مواضيع ذات صلة