مجرد رأي بين النقابي و السياسي ، خيط رفيع ( الجزء الثالث ) المنجي عطية الله
وصلنا في حديثنا في الجزء الثاني عن ٱقتران العمل السياسي بالنقابي بمنطق الإستيعاب و الإحتواء إلى حقبة السبعينات من القرن الماضي عندما عاد المناضل الحبيب عاشور إلى ٱعتلاء قيادة الإتحاد العام التونسي للشغل . الحبيب عاشور يصفه المتابعون للشأن النقابي بتوأم الزعيم فرحات حشاد في وطنيته و كذلك في قوة الشخصية . الإختلاف الوحيد بين الرمزين هو أن حشاد ٱقتصر نشاطه بل ٱنصهر في صلب الحركة التحريرية ضد الإستعمار الفرنسي بما أنه لم يبلغ مرحلة الإستقلال بينما الحبيب عاشور جمع بين النضال النقابي الوطني وهو واحد من أبرز رموز حوادث 5 أوت بصفاقس عام 1947 التي راح ضحيتها 26 شهيداً و هي المنصة النضالية التي جمعت الزعيمين في معركة واحدة في الزمان و المكان و بمنهجية متكاملة : حشاد بالفكر و المناورة و عاشور بالجرأة و الإقدام . كيف لا يحصل هذا التكامل و الرجلان ينحدران من موطن واحد و طينة واحدة ، قرية العباسية بجزيرة قرقنة أرض الوفاء و الكرم والشهامة . أيضا النقابي الحبيب عاشور عايش فترة الإستقلال على رأس الإتحاد في مناسبتين و عرف بشراسته في الدفاع عن الشغالين خاصة في الفترة الثانية التي ٱمتتدت على ثماني سنوات من عام 1970 إلى نهاية 1978 و التي عرفت أحداث الخميس الأسود و ٱنتهت بسجنه .ثماني سنوات ٱقترنت بتعيين ” المجاهد الأكبر ” الرئيس الحبيب بورڨيبة لمحافظ البنك المركزي أنذاك الهادئ نويرة على رأس الوزارة الأولى بعد نكسة سياسة التعاضد التي عصفت بٱقتصاد البلاد و أدت إلى نشوب ٱضطرابات في المدن و القرى بعد الأضرار التي لحقت بالتجار و الفلاحين و المهنيين الصغار ، زادتها الفياضانات التي عمت كل الجهات تعقيدا و وطأة .الهادئ نويرة عينه بورڨيبة في فترة حساسة و منحه كل السلطات خاصة بعد ٱنكساره السياسي و الصحي بسبب معاناته من آثار إخفاق تجربة التعاضد فكانت تسمية نويرة كوزير أول و لكنه ٱضطلع عمليا بصلاحيات رئيس حكومة و هكذا و بدفع من الرئيس بورڨيبة جنح بالإقتصاد التونسي إلى نظام السوق في بادرة نحو الإنفتاح الإقتصادي بصفة تدريجية .وحتى نعطي للرجل حق قدره عرفت سياسته الإقتصادية عودة الثقة إلى عموم الشعب مع دعم الإستثمار و خلق الثروة و توزيعها بشكل عادل حيث بلغت نسبة النمو ما يقارب 7,5 بالمئة من خلال مساهمته في بعث الشركات الخاصة و التشجيع على المبادرات الفردية و خاصة في أوساط الشباب عن طريق صناديق التمويل التي تأسست للغرض .الهادي نويرة يحسب له إصدار قانون أفريل 1972 الذي شجع المؤسسات الإقتصادية في الداخل و الخارج على الإستثمار في تونس مقدما لها ٱمتيازات جبائية مشجعة لٱستجلابها فضرب بذلك عصفورين بحجر واحد خدمة للإقتصاد الإجتماعى – المالي في البلاد ، من خلال الإستفادة من جلب العملة الصعبة لتوريد حاجياتنا من المواد و الآليات و الأدوية من الخارج أ و توفير مواطن شغل قارة للشباب العاطل .الهادئ نويرة كان من أبرز الحريصين على التنمية الجهوية و المدافعين عن الطبقة الشغيلة أو هكذا يسوقون لسياسته الإقتصادية ، من خلال إمضائه عقدا ٱجتماعيا مع الإتحاد لضمان ٱستقرار المناخ الإجتماعي .السؤال المحوري ، ماذا حدث في تونس بعد صحفة العسل التي كان يتقاسمها نويرة مع ٱتحاد عاشور حتى ينقلب السحر على الساحر ؟!أحداث الخميس الأسود ذات 26 ديسمبر من عام 1978 و أسبابها , ذلك هو عنوان الجزء الرابع .






