معرض تونس الدولي للكتاب: كيف سقط موعد ثقافي وطني في قبضة الإدارة الفردية؟

معرض تونس الدولي للكتاب: كيف سقط موعد ثقافي وطني في قبضة الإدارة الفردية؟

10 افريل 2026، 21:15

لم يكن معرض تونس الدولي للكتاب، يومًا، مجرد تظاهرة موسمية تُضاف إلى رزنامة الأنشطة الثقافية، بل كان أحد آخر الفضاءات التي ظلّت تمنح الكتاب في تونس شيئًا من المكانة والهيبة والقدرة على جمع الناشرين والكتّاب والقراء حول معنى ثقافي مشترك. كان المعرض واجهة للبلاد، ومؤشرًا على حيوية قطاع النشر، وموعدًا تنتظره الأوساط المهنية والجمهور بوصفه محطة سنوية كبرى للمعرفة والحوار واللقاء.
لكن ما يحدث اليوم لم يعد تراجعًا عاديًا يمكن تفسيره بظرف عابر أو تعثر تنظيمي محدود. ما يحدث هو انحدار واضح في وظيفة المعرض، وفي صورته، وفي رمزيته، وفي قدرته على أن يكون حدثًا ثقافيًا وطنيًا بالمعنى الحقيقي للكلمة. والأسوأ أن هذا الانحدار لا يبدو نتيجة أزمة مفاجئة، بل نتيجة مباشرة لمسار كامل من الارتجال، والانفراد بالقرار، وتهميش أهل المهنة، وتحويل المعرض من فضاء للكتاب إلى تظاهرة تُدار بعقلية إدارية ضيقة، لا بعقلية ثقافية مسؤولة.
أرقام تتهاوى… ومعنى يضيع :
قبل أن تتولى المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية الإشراف على المعرض، كان عدد زواره يتراوح سنويًا بين 250 ألفًا و300 ألف زائر. لم تكن هذه الأرقام مجرد مادة للافتخار أو التباهي، بل كانت تعكس وزن المعرض في الحياة الثقافية التونسية، وحجم حضوره في الوعي العام، ونجاحه في أن يكون فضاءً جامعًا بين البعد الجماهيري والبعد المهني والثقافي.
أما اليوم، فقد هبط عدد الزوار إلى نحو 130 ألفًا فقط. والحديث هنا ليس عن تراجع بسيط، بل عن خسارة تقارب نصف الجمهور تقريبًا. وهذا الرقم، في حد ذاته، كافٍ لإثارة الأسئلة الكبرى: ماذا حدث؟ كيف وصل المعرض إلى هذا المستوى من التراجع؟ وأي إدارة هذه التي تسلّمت حدثًا وطنيًا بهذا الحجم، فإذا به يفقد جاذبيته ويخسر جزءًا كبيرًا من جمهوره ويخرج من دائرة التأثير التي راكمها لعقود؟
الجواب، في جوهره، واضح: المعرض لم يتراجع لأن الناس فقدوا الاهتمام بالكتاب فجأة، بل لأنه أُفرغ تدريجيًا من روحه، ومن منطقه الثقافي، ومن شروط نجاحه الأساسية.
إدارة فردية تبتلع مؤسسة كاملة :
أخطر ما أصاب معرض تونس الدولي للكتاب في السنوات الأخيرة هو تحوّل إدارته إلى مساحة شبه مغلقة يُهيمن عليها مدير الدورة، في مشهد لا يعكس أي احترام حقيقي لفكرة العمل الجماعي أو التسيير التشاركي أو الحوكمة الثقافية الرشيدة. القرارات الأساسية لا تُبنى على التشاور، ولا تصدر عن هيئة فاعلة، ولا تعكس مساهمة حقيقية من المهنيين، بل تُتخذ في دائرة ضيقة، وتُفرض لاحقًا على الجميع كأمر واقع.
هذا الوضع لا يمثل فقط خللًا إداريًا، بل يكشف انزلاقًا خطيرًا في فهم طبيعة المعرض نفسه. فالمعرض ليس مشروعًا شخصيًا، ولا مساحة مفتوحة للمزاج الفردي، ولا مجالًا لتجريب السلطة الأحادية داخل قطاع هشّ وحساس مثل قطاع الكتاب. ومع ذلك، يبدو أن هذا بالضبط ما حدث: تم اختزال معرض وطني كبير في إرادة مدير دورة يتصرف كما لو أنه المرجع الوحيد في التصور والاختيار والتوقيت والقرار.
وهنا لا تعود المشكلة مجرد سوء تنسيق، بل تصبح أزمة حوكمة حقيقية، لأن الانفراد بالقرار في حدث ثقافي من هذا الحجم لا يعني فقط تعطيل الكفاءات، بل يعني أيضًا تدمير التوازن الذي يفترض أن يحكم العلاقة بين المؤسسة والهيئات المهنية والناشرين وسائر الفاعلين.
هيئة مديرة بالاسم فقط :
ما يزيد المشهد عبثية أن الهيئة المديرة لم تُعيَّن إلا قبل شهرين فقط من افتتاح المعرض. وهذا في حد ذاته ليس مجرد تأخير إداري محرج، بل فضيحة تنظيمية كاملة. لأن الهيئة التي تُعيَّن في وقت متأخر لا يمكنها أن تدير شيئًا على الوجه المطلوب، ولا أن تخطّط، ولا أن تبرمج، ولا أن تراجع، ولا أن تصحح. إنها تُستدعى فقط لتؤدي دور الشاهد الصامت، أو الديكور المؤسسي الذي يمنح قرارات جاهزة مظهرًا شكليًا من الشرعية.
فماذا يمكن لهيئة أن تفعل خلال فترة قصيرة أمام حدث بهذا التعقيد؟ كيف تُبنى البرمجة؟ كيف تُنسق الفعاليات؟ كيف تُناقش الخيارات؟ كيف تُصحح الاختلالات؟ الواقع أن هذا التأخير لم يترك للهيئة أي فرصة فعلية للعمل، وهو ما يعني أن تعيينها المتأخر لم يكن مجرد خلل في الرزنامة، بل كان في أثره العملي إلغاءً لوظيفتها قبل أن تبدأ.
وهنا يتأكد الانطباع الأخطر: لم يكن المقصود إشراك الهيئة، بل تحييدها. لم يكن الهدف تفعيلها، بل استهلاك اسمها. لم يكن المطلوب إدارة جماعية، بل غطاء إداري لقرار فردي جاهز.
المعرض لم يعد يُدار بمنطق الثقافة :
المشكلة لا تتعلق فقط بالأشخاص أو بالمواعيد أو بالإجراءات، بل تتعلق، قبل كل شيء، بانهيار المقاربة نفسها. فالمعرض، في صيغته الحالية، لم يعد يُدار بوصفه مشروعًا ثقافيًا له أهداف ومعايير وأثر منتظر، بل بوصفه تظاهرة جماهيرية تُقاس بالازدحام والصورة والبلاغات الرسمية.
وهنا تكمن إحدى أخطر علامات التدهور. فحين تُستبدل الرؤية الثقافية بمنطق الحشد، ويصبح النجاح مرهونًا بعدد العابرين لا بنوعية البرامج، ويتحوّل النقاش حول المعرض من محتواه إلى أرقامه المجردة، فإننا نكون أمام انزياح خطير من المعنى إلى الاستعراض، ومن الثقافة إلى الإدارة المناسبة للمناسبات.
الأدهى من ذلك أن أرقام الحضور نفسها لا تُبنى على مقاربة ثقافية أو دراسة مهنية أو أدوات تحليل جادة، بل تُحتسب عبر جهاز الأمن، في مشهد يكشف حجم الفقر في أدوات التقييم. فمنطق العدّ الأمني قد يصلح لضبط الدخول والخروج، لكنه لا ينتج معرفة ثقافية، ولا يساعد على فهم سلوك الزوار، ولا يقيس أثر البرمجة، ولا يكشف نوعية التفاعل مع الكتاب، ولا يسمح ببناء سياسة تطوير مستقبلية.
هكذا يتحول الزائر إلى رقم، ويتحول المعرض إلى عملية إحصاء، وتتحول الثقافة إلى بلاغ كمي خالٍ من أي مضمون معرفي.
من تظاهرة للكتاب إلى عرض جماهيري بلا عمق :
كان المعرض، في دوراته التي حافظت على قدر من التوازن، فضاءً حيًا للندوات واللقاءات المهنية والورشات الفكرية والنقاشات المفتوحة. كان مكانًا تتقاطع فيه صناعة النشر مع الشأن الثقافي العام، ويجد فيه القارئ ما هو أكثر من مجرد أجنحة وصفوف من العناوين. كان المعرض، في جوهره، تجربة ثقافية كاملة.
أما اليوم، فقد تراجع هذا كله بصورة مؤلمة. لم يعد المعرض يقدّم نفسه كمختبر للأفكار ولا كمساحة فعلية للحوار حول الكتاب والقراءة والنشر، بل صار أقرب إلى تظاهرة عامة ضخمة تُراهن على الحركة والازدحام والصدى الإعلامي السريع. ومن هنا بدأ الانحدار الحقيقي: حين فقد المعرض عمقه، فقد معه سبب وجوده.
إن تحويل معرض الكتاب إلى مناسبة جماهيرية سطحية لا يصنع جمهورًا قارئًا، ولا يدعم الناشرين، ولا يرسّخ عادة المطالعة، ولا يطوّر الذائقة الثقافية. بل إنه، على العكس، يفرغ الكتاب من مركزيته، ويجعل المعرض نفسه واجهة شاحبة لحدث كان يفترض أن يكون أحد أعمدة السياسة الثقافية الوطنية.
الناشرون خارج القرار… وخارج المعنى :
في هذا المسار كله، كان الناشرون من أكبر الخاسرين. فمن غير المعقول أن يُدار معرض الكتاب من فوق، ومن خارج المهنة، ومن دون إشراك حقيقي لأهل القطاع الذين يفترض أنهم طرف أساسي في تحديد أولوياته وتطويره وحمايته من الارتجال. غير أن ما حدث هو العكس تمامًا: تم التعامل مع الناشرين بوصفهم حضورًا لازمًا لتأثيث المشهد، لا شركاء فعليين في صياغة المعرض والدفاع عن مستواه.
لقد جرى تهميشهم في القرار، وإضعاف حضورهم في النقاش، وحرمانهم من دورهم الطبيعي في المساهمة في تصوّر التظاهرة التي تقوم أصلًا على الكتاب الذي ينشرونه وعلى السوق التي يعرفون هشاشتها وتعقيداتها أكثر من أي جهاز إداري بعيد عن المهنة.
وهذا ليس مجرد خلل شكلي في العلاقة بين الإدارة والقطاع، بل مسألة تمسّ شرعية المعرض نفسه. لأن المعرض الذي يُقصي الناشرين من دوره التصوري والتنظيمي يتحول، عمليًا، إلى جسم منفصل عن المجال الذي يُفترض أنه يمثله.
مؤسسة مشرفة فشلت في الإشراف :
لا يمكن، في هذه الصورة القاتمة، الاكتفاء بتحميل مدير الدورة وحده المسؤولية، رغم أن انفراده بالقرار يمثل أحد أبرز أسباب الأزمة. فالمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية تتحمل بدورها مسؤولية مباشرة وثقيلة، لأنها سمحت بهذا النمط من التسيير، وكرّست التأخير، ووفرت الغطاء الإداري لهذا الارتباك، ولم تنجح في فرض حد أدنى من الحوكمة والشفافية والتخطيط الجدي.
لقد كان المطلوب من المؤسسة أن تحمي المعرض من العبث، فإذا بها تكرّسه. وكان المطلوب منها أن تؤمن شروط الإدارة الجماعية، فإذا بها تبارك، بصمتها أو بعجزها، منطق الانفراد. وكان المنتظر منها أن تبني تظاهرة ثقافية متماسكة، فإذا بالنتيجة معرض يفقد جمهوره، ويُضعف مكانته، ويخسر مضمونه، ويتحول إلى مناسبة مرتبكة لا تليق بتاريخه ولا بالانتظارات المعلقة عليه.
حين تفشل المؤسسة المشرفة في أداء دورها، لا يعود الأمر مجرد نقص في الكفاءة، بل يصبح إخفاقًا سياسيًا وثقافيًا في إدارة واحد من أهم المواعيد الوطنية المرتبطة بالكتاب.
الخسارة ليست تنظيمية فقط… بل ثقافية ووطنية :
أخطر ما في هذا الانحدار أنه لا يضرب دورة بعينها، بل يضرب صورة المعرض نفسها، ويقوض الثقة فيه، ويضعف ما بقي له من رمزية وطنية ومهنية. فالمعرض كان على مدى سنوات جزءًا من البنية التي تُبقي الكتاب حاضرًا في الفضاء العام، وتمنح النشر نافذة سنوية كبرى، وتربط الجمهور بفكرة القراءة بوصفها ممارسة جماعية لها بعد ثقافي ومدني.
واليوم، حين يُنهك هذا المعرض تحت وطأة التسيير الفردي والارتجال وتهميش الفاعلين، فإن الخسارة لا تتوقف عند حدود التنظيم، بل تمتد إلى السياسة الثقافية في عمقها. لأن الدولة التي تفشل في حماية معرض الكتاب من هذا المستوى من التفكك، تكشف في الواقع عن خلل أوسع في فهمها للثقافة، وفي ترتيبها لأولوياتها، وفي قدرتها على صيانة مؤسساتها الرمزية.
إن ما جرى لمعرض تونس الدولي للكتاب ليس مجرد تعثر مؤسف، بل عنوان واضح على كيف يمكن لسوء الإدارة أن يبدد ما راكمته سنوات طويلة من العمل، وأن يحوّل موعدًا ثقافيًا وطنيًا إلى تظاهرة باهتة، فاقدة للبوصلة، تُدار بالأوامر، وتُسوّق بالأرقام، وتُفرَّغ من مضمونها عامًا بعد عام.
ما يعيشه معرض تونس الدولي للكتاب اليوم لم يعد يقبل لغة التبرير ولا المجاملة ولا الصمت. فالمعرض يتراجع، والجمهور ينخفض، والهيئات تُعطّل، والناشرون يُقصَون، والبرمجة تفقد معناها، والمؤسسة المشرفة تفشل في تصحيح المسار، فيما يواصل منطق الإدارة الفردية ابتلاع ما تبقّى من هيبة هذا الموعد الثقافي.
لقد صار من الضروري تسمية الأشياء بأسمائها: ما جرى ويجري ليس مجرد سوء تصرف، بل إفساد متواصل لمعرض كان يفترض أن يكون من أبرز عناوين الثقافة الوطنية. ولا يمكن إنقاذه بخطاب دعائي أو بترقيعات موسمية أو بلغة إنشائية فارغة، بل بمراجعة جذرية، ومحاسبة واضحة، واستعادة المعرض من قبضة الارتجال والانفراد، وإعادته إلى منطق المؤسسة، وإلى أهله الطبيعيين من مهنيين وناشرين وفاعلين ثقافيين.
فمعرض الكتاب لا يُدار كحفلة، ولا يُقاس كحشد، ولا يُختزل في رقم. وحين يحدث ذلك، لا تسقط تظاهرة فقط، بل يسقط معها جزء من صورة الثقافة في البلاد.

مواضيع ذات صلة