هل نملك حقا القدرة على تأميم النفط والغاز؟…سامي الجلولي

هل نملك حقا القدرة على تأميم النفط والغاز؟…سامي الجلولي

6 افريل 2026، 21:15

لاحظت أن البعض في تونس يدعوا لتأميم النفط والغاز بوازع عاطفي. لكن جلّهم يفتقر للتخصص في نزاعات الاستثمار الدولية.
هل نملك حقا القدرة على تأميم النفط والغاز ؟
​إن كانت لديكم القدرة، فالشعب سيصطف خلفكم…
​قانونيا، لا يوجد ما يمنع الدولة من ممارسة سيادتها، لكن النتائج المترتبة هي العائق الحقيقي. فأغلب عقود البحث والتنقيب والاستغلال تتضمن شروطا تحكيمية صارمة مسنودة باتفاقيات حماية الاستثمارات الثنائية أو الدولية، صاغتها مكاتب متخصصة على مقاس الشركات الاستثمارية، ملغمة ببنود إذعان وفواصل قانونية مخفية تجعل موقف الشركة حصينا في أي نزاع…
​قد يظن البعض أن الدولة أقوى من شركات الطاقة. ظاهريا، نعم. لكن في الواقع لا. فمن النادر أن تكسب دولة نزاعا قضائيا ضد شركة استثمارية عالمية في قطاع الطاقة. هذه الشركات تمتلك ترسانة من القوة القانونية، المالية ووسائل الضغط التي تضمن فوزها في أغلب الصراعات. بل إن غرامات التعويض الناتجة عن هذه النزاعات قد تؤدي إلى شلل تام لميزانية الدولة…
نحن هنا لا نتحدث عن الفساد في مثل هذه النزاعات… فرغم أن الدولة تملك الأرض إلا أن الشركات تملك السيولة. هناك مثل شائع في ليبيا يقول: “الكاش يلغي النقاش”. السيولة هي المهدد الأكبر للقرار السيادي.
ليس هناك وطني واحد لا يسعى لتحقيق العدالة بين شركات تغامر برأس مالها ودولة تملك ثروات ناضبة. لذا فمن الحكمة تجنب الصدام مالم تملك البديل القادر على الدفع والمفاوضة العادلة…
العقود الدولية في الطاقة تحديدا لا تخلو من الخطر وهي ليست مجرد فصول تضع حقوقا والتزامات كشأن العقود البسيطة. المسألة أعمق من ذلك بكثير. من عادة المكاتب القانونية وضع بنود صارمة تجعل مجرد تعديل النظام الجبائي مثلا إخلالا بالتوقعات المشروعة للمستثمر.
مراكز التحكيم الدولية تنظر للعقد كقانون ملزم. التأميم في عرفها مصادرة غير قانونية ويضرب مبدأ هاما وهو مبدأ استقرار الحقوق والإخلال بذلك، يترتب عنه تعويضا بمليارات الدولارات.
لا يجب أن ننسى أن هذه الشركات تمتلك ميزانيات تفوق في كثير من الأحيان ميزانيات دول ناشئة. خسارة قضية واحدة قد تعني غرامات بالمليارات بدورها قد تؤدي لإفلاس الدولة أو الحجز على أصولها بالخارج من عقارات وأرصدة ومنقولات…
قد تسألني عن ​البديل ؟
​التأميم العنيف بلا خطة تفاوضية يطرد الاستثمارات في كافة القطاعات، لكن هذا لا يعني انعدام الخيارات:
​1. اتباع خطة التأميم الهادئ، عبر انتظار نهاية الآجال التعاقدية لفرض شروط جديدة، أو ترصد الأخطاء الجسيمة للشركات رغم صعوبة إثباتها.

  1. ​التمكين الوطني عبر تأسيس شركات وطنية قوية قادرة على شراء الحقوق والإدارة الفنية. فالتأميم بلا خبرة تقنية هو مجرد وصفة لتوقف الإنتاج وخراب المنشآت…
    ​3. استعمال أوراق الضغط عبر استخدام النفوذ السياسي والاقتصادي لإعادة التفاوض على حصص الأرباح مثلا، بدلا من نزع الملكية الذي يجر الدولة للمحاكم ويضرب سمعتها السيادية…
    ​قد تخرج الشعوب للاحتفال بقرار التأميم في يومه الأول، لكنها لن تصمد أمام نتائجه في اليوم الثاني حين تنهار العملة أو تفرض عقوبات خانقة بسبب خسارة القضايا الدولية…
    ​الحكمة تقتضي أن تدار الثروات بعقول المحامين والخبراء الاقتصاديين لا بصرخات الحشود…
    ▪️سامي الجلّولي

مواضيع ذات صلة