إعلام الصمت بقلم أحمد الحباسى كاتب وناشط سياسى.
الساكت عن الحق شيطان أخرس ، هكذا حذرنا رسول الأمة صلى الله عليه و سلم ، مع ذلك صمتوا و زكوا الديكتاتورية و طبلوا و مدحوا و هللوا ، من هم ؟ … بالطبع من سماهم البعض بإعلام العار و من تلفظ البعض الآخر بوصفهم بإعلام المجارى ، بعد الثورة تفنن الجميع في تحرير قائمة في من يرونهم و يتهمونهم بممارسة إعلام العار أو إعلام المجارى و قد نالت الأسماء التي ذكرت بتلك القائمات ما أكل الطبل ليلة العيد و قد شاهدنا بكاء البعض أسفا على ما ارتكبت أقلامهم القبيحة من الفواحش و الخطايا الإعلامية و رأينا من سارعوا بالاحتماء بهذا الحزب أو ذاك طمعا في التوبة و ربما استعدادا لخلع الفيستة و ينصر من صبح على قول كبارنا . أغلب إعلامنا المصون عاهد الأنظمة المتعاقبة على أن ينقل الحقائق كما يراها حكام تلك الأنظمة و ليس كما يراها الشارع و طبعا تجفّ الأقلام عندما يتطلب الأمر الحديث عن قضايا المواطن الحارقة لان في مجرد الإشارة تكذيب للصورة المشاعة في هذا البلد أو ذاك بكون الأمور تسير عال العال .
الصورة في الواقع ليست بهذه القتامة فهناك صحفيون مهنيون إلى أبعد الحدود لم يجدوا طريقهم إلى وسائل الإعلام لان الأوامر الحكومية تمنع تواجد أصواتهم و أقلامهم في المشهد الذي يراد له أن يكون ايجابيا على كل الأصعدة و هناك طبعا من دفع ثمن نحت مقال جدي يتناول مشاكل النظام أو مشاكل حكومة النظام لكن من الثابت أن الإعلام العربي قد ساهم في تنامي طغيان الحكام و استبدادهم و في عدم وجود مناخ ديمقراطي يمكن فيه للمعارضة أن تخلق نوعا من التوازن ، لذلك نتساءل اليوم عن حقيقة ما يشعر به هؤلاء الإعلاميون و هم يعيدون قراءة ما كتبت أيديهم أو يستمعون إلى ما نطقت به ألسنتهم بل نتساءل كيف كنّا نشترى صحفهم و نستمع إليهم و نحن أدرى الناس بأنهم كاذبون ، في واقع الأمر ،لم يكن الإعلاميون هم وحدهم من صمتوا بل هناك من قاسمهم تلك الخطيئة من “سياسيين ” و مثقفين و رجال أعمال و أصحاب دكاكين حقوق الإنسان و ما شابه ممن وقفوا على الحياد في وقت استبيحت فيه الأعراض و نفذت فيه الأغراض ، أولائك الذين بشرهم مارتن لوتر كينغ بحجز أماكنهم في الجحيم .لا يمكن للشعوب أن تنسى من صمتوا إبان الشدة بإرادتهم و بغير إرادتهم و لو رجع الزمن بهذا الشعوب إلى تلك الفترة لحرقت كثيرا من تلك الصحف و رمتها في المزابل لأنها تذكرهم بماض كريه صمت فيه من كان الأولى بهم أن يتكلموا ، من العجب أنه لا أحد اليوم يستذكر تلك الأيام أو يأتي على سيرتها و من العجب أنه لا أحد فكّر في تخصيص يوم ” نحتفل ” فيه يكون عنوانه ” يوم الصمت ” كما تحتفل بقية الشعوب بالذكريات الأليمة التي عاشتها ، إن إنعاش الذاكرة الوطنية مهم حتى لا تتكرر المأساة و نتعلم الدرس لكن من ينظر اليوم للساحة الإعلامية و ما يسمى بإعلام الشاطحين الرداحين يدرك بمنتهى السهولة أنه ما أشبه اليوم بالبارحة بل ما أشبه وجوه الإعلام بنفس تلك الوجوه التي صمتت و عادت الآن إلى المشهد كأن شيئا لم يكن في محاولة لاسترداد عذرية أخلاقية ستبقى مفقودة إلى الأبد .





