تكلّم يا مواطن (6)… الطاهر العبيدي
مواطن أنا، فرغم النقائص ورغم بعض المسائل، كنت المواطن، الذي يثق بالدولة وينحاز للقانون ويجتنب المشاكل.
لم أكن من أهل الجاه ولا من أصحاب المناصب، ولا من الشكائين المتواكلين ولا متحاملا.
تركت الديبلومات والشهادات، بعدما تيقنت أنها لا تصمد أمام تصابي الأسعار والغلاء الفاحش، وظللت متسكعا بين مهن الفتات، أبحث عن ربع رغيف أساهم في حفظ كرامتي، عبر الكدح عبر الجهد وعبر السواعد، وحين سدّت امامي الأبواب والنوافذ، وحتى لا أكون عبئا يشار له بالبنان والأصابع، حملت حقيبتي وعيون بلدي، وآمال وأحلام وطني، وكثيرا من ذكريات الطفولة والصبا، ودفاتر أيام موطني وحنين الاهل والاقارب، واتجهت إلى المجهول مرتميا في حطام سفينة متخفيا عن عيون كل مراقب.. أصارع الأمواج في رحلة الخطر والعناء والموت الجاثم
امامي وورائي وجنبي.. الموت يهدّ عليّ في كل لحظة وكل حين.. لترتسم في ذهني صور أشلاء من سبقوني من مواطنين، ابتلعهم البحر في صمت وسكون.. أولئك الذين تُرِكوا لمصيرهم بلا أفق سنوات ينتظرون، فخسفت أعمارهم وسحقت أحلامهم وما عادت الوعود اليابسة تحقق ما يأملون، ولا خطب الانتخابات العصماء تضمد قحط الجيوب، ولا تطفئ وخز البطون، ولا إعلام الأراجيف والضجيج يمسح عنهم خصاصة الأعوام والسنين.
انتخابات وراء انتخابات والنتيجة بئس المصير وزارات ادارات ودواوين، كلها تبيع الوهم وعن مصيري غافلون
مراسيم وقوانين، كلها تسبِّح باسم المواطن والحصاد احتياج وخصاصة وفقر مبين، وأنا وغيري من أصحاب الشهادات المعطلين على رصيف الصبر محالون.
مؤتمرات اجتماعات مخططات بالية وأوضاعي ينكمش منها الجبين
فبعد سبعين سنة استقلال عدنا نتسول الزيت والحليب والطحين…
راجع الأجزاء السابقة على موقع الصحفيين التونسيين بصفاقس





