الماضي والحاضر…بقلم د. محمد الناصر بن عرب

الماضي والحاضر…بقلم د. محمد الناصر بن عرب

20 أوت 2022، 18:30

ألف رياض يعيش كتابا حول تطوير الذات عنوانه “أَشْرِقْ …قَبْلَهُمْ” وبادر بتقديم برامج الكتاب بمركز الفنون الركحية والدرامية بطريق قرمدة بصفاقس. وقد قرر المخرج أن يقع سرد برامج “أشرق …قبلهم” على وقع الموسيقى والاضاءة المسرحية التي شملت إبراز جسد الراقصة وتغيير وجهها وفاعليته الحركية وقراءة فقرات من البرامج أوحت الراقصة على تنوع حركاتها بكل براعة.

ثم وقع نقاش حول هذه المبادرة القيمة إذ أن الكاتب أراد أن يشارك الشباب في رؤيته لتطوير الذات على الركح ربما لعزوف الشباب عن القراءة. وحل النقاش بين فئة من الحاضرين الذين يمثلون الماضي من حيث عمرهم وتجربتهم وثلة من الشباب التي تمثل الحاضر.

تدخل مخرج مسرحي كان حاضرا في المسرح وأدى بآرائه نحو هذه المبادرة ثم أخذ الكلمة الأستاذ أحمد ذياب وقال قولا ممتعا للراقصة الشابة التي جسدت على الركح كلمات رياض يعيش عبر لغة جسدها وما تحمله من رموز الحرية. لكنه تعرض لأمر مهم يخص قراءة النص الذي كتبه رياض يعيش باللغة العربية الفصحى وأخفق القارئ في سرده شكل الكلمات طبقا لقواعد اللغة العربية. ثم أخذت الكلمة وقلت أن المسرحية الناجحة هي التي يجيدها الممثل عبر استخدامه للحركة وكان عمل الراقصة موفقا في إبداع حركاتها لكنني قلت أيضا أن اللغة العربية العامية التي نستعملها والمليئة بالكلمات الفرنسية تضايقني وأحب أن أسمع الفصحى متذكرا أن طه حسين كان يدعو اتخاذ الفصحى في التمثيل والمسرح لأنها وحدها لغة الأدب والعلم والفكر.

وتطرقنا على استعمال اللغة العربية وإتقانها والافتخار بها ككل لغة تستعملها الدول الراقية. لكننا اكتشفنا أن بعض الشبان يخيرون الحديث بلغة لا عربية ولا فرنسية، خليط رديء بين هذه اللغة وتلك تطغى عليها اللغة العامية التونسية. وفي هذا الصدد لا بد أن نصر أننا نعتبر أن إتقان اللغات الأجنبية مثل الفرنسية والبرطانية والألمانية مثلا واجب على كل تونسي مثقف.  وأثناء النقاش صاح شاب يقول إننا لسنا عربا إنما نحن أمازيغ غير أنه لا يدري من أين أتى الأمازيغ إلى شمال إفريقيا. ويجهل أن المساجد والجامعات والمدارس والمكتبات أسسها العرب باللغة العربية في مدينة القيروان في القرن الأول للهجرة الموافق القرن السابع للميلاد. وليس لنا في تونس اليوم أي مخطوط قرطاجي باللغة البونية باستثناء اللوحات أو الأحجار المكتوبة النادرة الباقية بعدما حطم وحرق الرومان قرطاج.

 أما الأمازيغية فهي لهجات متعددة تستعمل من المغرب الأقصى إلى واحة سيوة المصرية في الصحراء الغربية وأصلها كنعاني…لغة حام بن نوح.

وتعقيبا لهذا النقاش حول اللغة العربية أُذَكِّرُ أنها تتكون من 12 مليون كلمة يتحدث بواسطتها 467 مليون نسمة بينما اللغة الفرنسية مثلا لا يفوق عدد كلماتها أكثر من 95 ألف كلمة. وللتذكير أيضا يعتبر القرآن الكريم مصدرا أساسيا للغة العربية يبلغ عدد كلماته 77.437 كلمة. ولا ننسى أن كل العلماء العرب والمسلمين مثل ابن رشد وابن خلدون والغزالي وابن سينا والخوارزمي وابن الهيثم وغيرهم حفظوا القرآن وعمرهم ست سنوات ثم ألفية ابن مالك في النحو والصرف التي يتراوح عدد أبياتها 1002 بيت شعري.

وبقدر ما يعرف الانسان أكثر عدد ممكن من الكلماتتكون الطلاقة الفكرية والتعبيرية أو اللغويةأقوى لأنها مرتبطة بطلاقة الكلمات والقدرة على توليد أكبر عدد ممكن من الكلمات المترادفات أو المتناقضات في زمن معين. وهذا هو سر الابداع العلمي الذي انتشر في العهد العباسي وأصبح قدوة ومدرسة للعالم الأوروبي.

فمنتكلم العربية فهو عربي ولو كان من عرق مختلف فالباكستاني الذي يجيد العربية عربي والاندونيسي الذي يتقنها عربي والأمريكي الذي يحسنها عربي وإنما العربية اللسان. والاهتمام باللغة العربية وتعليمها لغيرنا وتجميلها في أعين أبنائنا وشبابنا والاعتزاز بها هو السبيل السليم لإخراج الجيل الحاضر من تلاشي الهوية واحتقار الذات ومن تقليد الدول الغربية تقليدا رديئا يشمئز له الأوروبيون.

في كانون الأول/ديسمبرسنة 1973 اعتمدت اللغة العربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة لتكون إحدى اللغات الرسمية الست في الجمعية العامة والهيئات الفرعية التابعة لها كما أن اللغة العربية أصبحت سنة 1983 لغة رسمية في مجلس الأمن والمجلس الاقتصادي والاجتماعي. وتحتفل الأمم المتحدة باليوم العالمي للغة العربية في الثامن عشر من كانون الأول/ ديسمبر في كل عام.

إن اللغة الرسمية في بلادنا هي اللغة العربية فليأمر رئيس الجمهورية السيد قيس سعيد بعناية اللغة العربية  واثرائها بالنهل من حياض إرثنا العربي الذي يمتد من المحيط إلى الخليج وبإتقانها وتطبيقها وبتشجيع حفظ القرآن منذ الصغر وتدريس العلوم بواسطتهاوليأمر أيضا بمنع الحوار في وسائل الاعلام باللغة العامية واللغة العربية المحشوة بعديد المفردات الفرنسية.

وهذا ما نراه صالحا لبلادنا لاكتساب الذات من جديد وبناء الهوية الوطنية والقومية.

مواضيع ذات صلة