بمناسبة الذكرى 26 لرحيل الزعيم الحبيب بورقيبة كيف أصبحت بورقيبيا حتى النخاع؟…مصطفى عطية
كان الطقس ممطرا في ذاك الصباح الشتائي القارس من شهر فيفري 1977عندما أيقظني من نوم ثقيل وكوابيس مزعجة طرق عنيف على باب شقتي الصغيرة جدا ( ستوديو ) في آخر نهج الهند بمنطقة لافايات. كنت تحت مراقبة بوليسية لصيقة بعد أحداث عنف وكر وفر شهدتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية بشارع 9 أفريل بالعاصمة.
تبادر إلى ذهني، لأول وهلة، أن صديقتي نادية قد راوغت كعادتها أعين البوليس وتسللت إلى العمارة خلسة لتزورني في شقتي، ولكن ليس من عادتها ان يكون طرقها بكل هذا العنف ! نهضت متثاقلا لأفتح الباب وإذا بي أمام شخصين طويلي القامة عريضي المنكبيين وأنيقي الهندام، طلبا مني ان أرتدي ثيابي ومرافقتهما.
لم أتفجأ بطلبهما إذ كنت أنتظر مثل هذه الزيارات بين اللحظة والأخرى. لم أكن يساريا ولا إسلاميا ولا حتى ديمقراطيا متأوربا، وإنما كنت، ومجموعة من رفاقي في الجامعة، متمردا على كل شيء، معاديا لنظام سياسي كنت انظر إليه من مجهر محدب يستجيب لطبيعة تمردي. إرتديت ثيابي ونزلت درج العمارة تتبعني خطوات الشرطيين المدنيين. كان الصمت الجاثم ينتحر على دقات أحذيتهما التي بدت لي وكأنها مصفحة بالرصاص.
إمتطينا سيارة صغيرة سوداء، إرتميت في الكرسي الخلفي إلى جانب أحدهما وقد بدا لي كتمثال من الرخام ! لم أشأ أن أسأله عن وجهتنا لأني كنت على يقين من أنها لن تكون إلا مخفرا من مخافر الأمن المتعددة. بعد وقت ليس بالقصير تجاوزنا فيه الإختناق المروري بشارع الحبيب بورقيبة، إنسابت السيارة بسرعة فائقة في اتجاه الضاحية الشمالية فتراكمت في مخيلتي صور قاتمة، وتذكرت وقائع ثورة علي بن غذاهم التي كانت محور دروس تاريخ تونس الحديث والمعاصر، التي يلقيها علينا الدكتور الراحل رشاد الإمام في مدرج كلية الآداب، وكيف زجوا به مغلولا في محبس كراكة حلق الوادي حتى وافته المنية متأثرا بوحشية التعذيب ! فهل سيحملاني إلى ذاك المكان ؟ وفجأة انتابني شعور بالسخرية من نفسي عندما تذكرت أني زرت ذاك المحبس القديم مرارا مع صديقاتي وأصدقائي ورقصنا في رحابه حتى مطلع الفجر بعد أن تحول إلى ملهى ليلي !!! إلى أين نحن ذاهبون إذن ؟؟؟ لم أجرؤ على السؤال لأني على يقين من عدم الظفر بإجابة من الصنمين الجامدين الذين يرافقاني و أكاد لا أشعر بأنهما يتنفسان. فجأة توقفت السيارة وانفتح أمامها باب عريض على مصراعيه، تقدمت عشرات الأمتار لتتوقف من جديد وننزل ثلاثتنا. وجدت نفسي في مدخل البهو الخارجي للقصر الرئاسي بقرطاج !!! لم يطل تسمري، المشحون بكيمياء الخوف والإنبهار، طويلا إذ بصوت خافت يدعوني إلى مرافقته. مررنا بالعديد من الأروقة ثم توقف مرافقي أمام باب مفتوح لقاعة فسيحة مضيئة، وبسط يده امامي داعيا إياي إلى الدخول. فاجأني الجالسون الأربعة على كراسي تلك القاعة المملوءة برفوف الكتب، والمزدانة جدرانها بالصور واللوحات الزيتية.
إنهم رفاقي في التمرد الطلابي : زياد العموري طالب بكلية الطب، رشاد مزهود وأمين الفقيه طالبان بكلية الحقوق، والبشير بن فرج طالب أنقليزية في كلية الآداب ! سألتهم عيناي : ماذا تفعلون هنا ؟ فأجابوني بأعينهم : وأنت ماذا تفعل هنا ؟ إرتميت على إحد الكراسي وقد أضافت دهشتي إلى دهشتهم حيرة وٱلتباسا. مرت بعض الدقائق وكأنها ساعات ثقيلة من الصمت الرهيب، وفجأة انتفضنا وقوفا اثر اقتحام القاعة من قبل إمرأة انيقة، مرفوعة الرأس في شموخ تلقائي، وقد ارتسمت على محياها الأبيض الناصع إبتسامة عريضة وهي تنطق :”مرحبا بيكم …محلاكم “. إنها الماجدة وسيلة بورقيبة !!! وأمام استفحال استغرابنا أضافت دون أن تتخلى عن ابتسامتها المبهرة :”ما تخافوش ، أنتوما ولادنا …والسيد الرئيس مش يستقبلكم” ، ثم إلتفتت إلى عوني البرتوكول وأمرتهما بإدخالنا إلى مكتب جميل، نعرفه جيدا من خلال الصور التي يبثها شريط الأنباء بالتلفزة يوميا عند استعراضه الروتيني لنشاط الرئيس. كان بورقيبة محاطا بمحمد الصياح وعلالة العويتي. وقفنا أمامه، نظر إلينا بحزم وقال : “أنا نحب الطلبة الناشطين ولكن ما نحبش المشوشين ” ، مطط شفتيه وجال بنظره في وجوهنا متفرسا ثم قال “هاو قالولي إلي أنتوما إستعملتم العنف ضد حراس الكلية وكسرتو ” ! إنبرى أحدنا وهو البشير بن فرج وقال : “سيدي الرئيس ما عملنا شيء …لفقولنا التهم “. كان لتدخل رفيقنا الأثر السحري في فك عقدة ألسننا فأدلينا بدلائنا ونفينا ما نسب إلينا. إنتصب الزعيم واقفا وقال بصوت الآمر الناهي :”سيبوهم يقراو على رواحهم …هاذوما ولادنا معملين عليهم” ! كدنا نسجد على الأرض خاشعين من شدة التأثر. عندما صافحنا الرئيس فردا فردا وغادرنا مكتبه إلتحق بنا علالة العويتي وأفادنا بأن الرئيس يدعونا للفطور معه ! كنا كمن يسبح فوق سحابة عالية من الحلم الغامر. إلتحقنا بقاعة الغذاء ثم حل الرئيس ومرافقوه وجلس على رأس الطاولة المستطيلة وقد وضعوا امامه صحنا ملونا يطفو فيه ما يشبه حساء الخضار “البرودو”. نظر إلينا طويلا وقال بنبرة يشوبها حس أبوي مثير : “أفطرو على رواحكم أنا حاكم عليا الطبيب ما ناكلش كيفكم”. لم يكن ما وفروه لنا من اطباق يفوق بكثير ما تعودنا عليه في المطعم الجامعي بنهج الحسين بوزيان أومطعم المبيت الجامعي برأس الطابية ! كان غداء ينم عن الزهد والتواضع الذي يعيشه بورقيبة في قصره. لم نستطع الأكل فقد كبلتنا الوقائع المتراكمة على إيقاع مفاجئ ومثير وبقينا مشدودين لما يرويه لنا بورقيبة من مآثر نضاله مشفوعة بنصائحة الأبوية. عندما غادرت القصر على متن سيارة الشرطة التي جاءت بي، كنت مثقلا بالأسئلة الفكرية والسياسية والإنسانية وحتى الوجودية، وقد تحولت، في تلك اللحظة، إلى بورقيبي حتى النخاع ومازلت وسأبقى.
مصطفى عطية





