بيان المعارضة النّقابيّة الوطنيّة في 29 مارس 2026
على إثر انعقاد المؤتمر الأخير للاتحاد العام التونسي للشغل بالمنستير أيام 25 و26 و27 مارس 2026، تحت شعار “ثابتون على المبادئ، منتصرون للحقوق والحريات”، تُعبّر المعارضة النقابية الوطنية عن إدانتها الصريحة لهذا المؤتمر، الذي لم يكن سوى حلقة جديدة في مسلسل الانقلاب البيروقراطي التصفوي على المنظمة، وضربًا لما تبقّى من شرعيتها القانونية والنضالية.
لقد انعقد هذا المؤتمر في سياق مطعون فيه من أساسه، بعد مسار طويل من العبث بالقوانين، وتزوير النيابات، وتطويع الهياكل، وشراء الولاءات، بما أفرغ العملية الانتخابية من مضمونها، وحوّلها إلى آلية لإعادة إنتاج نفس المنظومة المتحكمة، وإن بوجوه متبدّلة شكليًا ومتماهية فعليًا. وقد أكّدت مجريات المؤتمر، منذ لحظاته الأولى، كل ما حذّرت منه المعارضة النقابية: عودة “الإخوة الأعداء” إلى وحدة مغشوشة لا يؤطرها أي مشروع نقابي، بل تحكمها ضرورات اقتسام النفوذ؛ تآلف الأجنحة البيروقراطية التي كانت بالأمس القريب تتبادل الاتهامات بالفساد والخيانة؛ وانكشاف هشاشة البناء القانوني للمؤتمر إلى درجة فرضت على المؤتمرين التصويت على “قانونية مؤتمرهم” في سابقة تعكس حجم الارتباك والاهتزاز، ومحاولة استباقية بائسة لغلق باب الطعون.
ولعلّ من أبرز ما ميّز هذا المؤتمر أيضًا، عزلته غير المسبوقة، داخليًا وخارجيًا، حيث غاب الضيوف والشركاء، في دلالة واضحة على فقدان المنظمة لمكانتها، وعلى تراجع مصداقية قيادتها. ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل تمّ اللجوء إلى إجراءات أمنية فاضحة، بلغت حدّ نصب حواجز مادية لمنع النقابيين المعارضين من الدخول، بعد أن نجحوا في اليوم الأول في اختراق جدار الصمت ورفع شعاراتهم أمام قاعة المؤتمر، وتمكين عدد من النواب من التعبير عن مواقفهم الرافضة.
أما على مستوى المضامين، فقد سقطت كل الادعاءات التي روّجت لها البيروقراطية قبيل المؤتمر، فلا إصلاح حصل، ولا مراجعة جدّية لمسار السنوات الخمس الماضية التي شهدت ما يشبه “المجازر التنظيمية” في حق الاتحاد ومناضليه، لا شفافية مالية، ولا تقرير واضح يكشف حقيقة الوضع المالي المتدهور، لا خطّة نضالية، ولا أفق لاستعادة حق التفاوض أو فرض المكاسب، بل تمّ عمليًا تكريس التخلّي عن الإضراب العام، كأداة مركزية في النضال النقابي.
كما غاب عن المؤتمر أي نقاش جدي حول القضايا الوطنية والقومية، في انقطاع فاضح مع تقاليد الاتحاد، فلا حضور فعلي لفلسطين ومقاومتها، ولا موقف واضح من التحولات الإقليمية، ولا رؤية لدور المنظمة في مواجهة التبعية والهيمنة. لقد انحصر كل ما جرى في صراع محموم بين أجنحة البيروقراطية على المواقع، يقابله تعتيم متعمّد على حجم الدمار الذي لحق المنظمة، وتواطؤ جماعي على طمس المسؤوليات، بما انتهى إلى توافق قسري على “طغمة جديدة قديمة”، لا يجمعها برنامج، بل توحّدها المصالح، وتحكمها الرغبة في التموقع والاحتماء بالمنظمة من أي مساءلة قادمة.
إن هذا المؤتمر لم يكن سوى إعلان صريح عن الاستمرار في نهج الإقصاء والتصفية، مواصلة استنزاف مقدرات المنظمة وتعميق القطيعة مع القواعد الشغيلة وتكريس صورة البيروقراطي الأرستقراطي المنفصل عن واقعه، والمستفيد من امتيازات تُستمد من نفس الأطراف التي يفترض مواجهتها. كما أبرزت مخرجاته تموقعًا سياسويًا خطيرًا، يقوم على التحالف مع قوى مشبوهة، تحت غطاء الدفاع عن الحريات، في حين يتمّ فعليًا توظيف المنظمة في صراعات لا علاقة لها بمصالح الشغالين، ولا باستقلالية القرار النقابي.
إن العودة المغشوشة لبعض الترتيبات التنظيمية، ومنها ما يُقدّم كإصلاحات شكلية، ليست سوى استمرار لنفس البنية المعادية للديمقراطية، والحاضنة للفساد، والمنتجة للعتمة في التسيير المالي والإداري، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الانحدار.
إن ما أفرزه مؤتمر المنستير يؤكد، دون أدنى شك، أن لا شيء تغيّر، وأن نفس النهج مستمر، وأن الأزمة مرشحة لمزيد التعقيد، في ظل قيادة تعترف ضمنيًا بعجزها، لكنها تُكافأ بالبقاء. وعليه، فإن المعارضة النقابية الوطنية:
- ترفض بشكل قاطع شرعية هذا المؤتمر ومخرجاته
- تعتبر ما حصل حلقة جديدة في مسار تفكيك المنظمة وضرب دورها التاريخي
- تدعو إلى محاسبة كل المتورطين في الفساد والتلاعب بمصير الاتحاد.
- تؤكد على أن استعادة الاتحاد لا يمكن أن تتمّ من داخل نفس المنظومة التي أوصلته إلى هذا الوضع.
وأمام المخاطر المحدقة بالنضال النقابي وبمنظّمة الشّغّيلة النقابيّة فانّ المعارضة النقابيّة الوطنيّة تدعو كافة النقابيين الشرفاء، وكل القوى الحية داخل البلاد، إلى الانخراط في مسار نضالي بديل، يهدف إلى إعادة بناء المنظمة على أسس ديمقراطية حقيقية، تحرير القرار النقابي من شبكات النفوذ والسمسرة، وإعادة الاتحاد إلى حاضنته الطبيعية، الشغالين وقضاياهم.
المعركة مستمرة… من أجل اتحاد ديمقراطي، مستقل، مناضل.
مؤتمر المنستير لا شرعي ولا قانوني
مؤتمر المنستير جزء من أزمة الحركة النقابيّة وليس حلاّ لها
النّهج البيروقراطي جوهر أزمة الاتّحاد والنّضال النقابي
المجد للمعارضة النقابيّة ولكلّ النّقابيين الغيّورين على منظّمتهم
الإمضاء : المعارضة النقابية الوطنية





