تشخيص وعلاج الفساد في تونس…بقلم د. محمد الناصر بن عرب
لنفهم قبل كل شيء معنى الفساد. الفساد هو القحط واللهو والإنحلال. الإنحراف والأنانية وعدم احترام الأعراف والقوانين والكذب والغش والحقد والضغينة والتزوير كما يعني الفسق أيضا وهو ارتكاب الكبائر قصدا والخروج من حدود الشرع. وفساد الأخلاق ينشر الفساد أينما حل وارتحل الاستبداد، أصل لكل فساد.
أصبح الفساد في بلادنا داء وبيلا شديد الوطأة. انتشر من القاعدة إلى القمة وهو سبب التخلف الاقتصادي والاجتماعي. يأتي الموظف متأخرا إلى العمل ويغادر مكان العمل باكرا. التعليم غير قادر على تكوين مواطنين صالحين ولا يزرع حب الوطن ومفهوم المواطنة والهوية. وغَضُّ الطرف عن رداءة أطروحات الطلاب من قبل الأساتذة فساد. وبيع مناصب الدولة لمن يدفع دعارة الفتيات والفتيان فساد ولما يبيع القضاة أحكامهم فساد. والفساد أيضا عندما تتواصل الأمية الأبجدية التي تهتم بالقراءة والكتابة بسبب الانقطاع المدرسي وعندما تتكاثر الأمية الوظيفية التي تشمل كل شخص لا يستفيد من تخصصه الدراسي وتستمر الأمية الرقمية التي تشمل الأجيال الجديدة، فهذا فساد. تدهورت القيم الأخلاقية بين أفراد العائلة والمواطنين فأصبحت سببا في انخفاض الناتج القومي نتيجة التراجع في النشاط الاقتصادي. والفساد عندما تنتشر الرشوة بين أفراد المجتمع حتى أنهم أصبحوا يشعرون أن دفع الرشوة
لإنجاز أعمالهم لا يعتبر جريمة. وهضم حق العمال في أجورهم فساد.
والاثراء غير المشروع فساد. خيانة الأمانة فساد في القانون وفي الإسلام. كما أن سوء استخدام أموال الذوات المعنية وغسل الأموال فساد وإخفاء الأموال المتأتية من جرائم الفساد فساد. وبيع المخدرات وترويج استهلاكها جريمة وفساد. الاعتداء على أملاك الدولة زراعية أم عقارية فساد كما أن التسلط على أراضي الناس المنهوبة جريمة وفساد. ويعتبر فساد عندما يتخلى المواطن عن دفع الضرائب والأداءات التي تمكن تمويل خزينة الدولة لمواجهة النفقات العمومية. وتراكم النفايات المنزلية في الشوارع فساد من طرف المواطن وعدم نقلها من طرف السلطة البلدية فساد. الانتصاب الفوضوي في الشوارع فساد واحتكار السلع يضخم الثروات الفردية على حساب الطبقة الكادحة وهذا فساد يهدد كيان الدولة. وبسبب البطالة ونقص الخدمات والموارد انتشر الفساد المادي والأخلاقي وكثر التسول في المدينة وكثرت الجرائم والسرقة.
فكيف حل بنا هذا الفساد الذي دمر التنمية الاقتصادية وفكك علاقاتنا الاجتماعية والأسرية وزرع العنف والإرهاب بيننا وعرقل طريقنا للرقي والتقدم وجردنا من أصولنا فتلاشت هويتنا وكثر الجهل وتصاعدت الأمية في بلادنا وصرنا نقلد الغربيين في عاداتهم وتقاليدهم نستهلك الكثير من منتجاتهم وإبداعاتهم وقل إنتاجنا ومضينا نتسول ونطلب الاحسان والقروض من مؤسسات الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي كما كان حالنا في أواخر القرن التاسع عشر وكان السبب في احتلال بلادنا واستعمارها؟
وقبل أن نحاول الجواب عن هذه الأسئلة دعنا نتحدث عن إشعاع الجامعة الزيتونية أولا قبل الاستقلال ثم عن الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا الوضع المزر والوخيم والذي تكاثر فيه الفساد وأسقطنا أسفل سافلين.
– نحن شعب عظيم في دولة صغيرة ننتمي إلى تراث مشترك إفريقي وأمازيغي ولوبي وفينيقي وروماني وعربي وعثماني. تأسست في بلادنا أول جامعة عربية إسلامية سنة 79 هجريا ( 698 م.) وهي من أقدم الجامعات في العالم. وكمركز للتدريس لعبت جامعة الزيتونة دورا مشعا في نشر الثقافة العربية الإسلامية في بلاد المغرب ومن أبرز رموز الزيتونة علي بن زياد مؤسسها وأسد بن الفرات والامام سحنون. ففيها تخرج المؤرخ ومبتكر علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون وابن عرفة وأبو الحسن الشاذلي وإبراهيم الرياحي وسالم بو حاجب ومحمد الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير والمصلح الزعيم عبد العزيز الثعالبي وشاعر تونس العظيم أبو القاسم الشابي والطاهر الحداد صاحب كتاب امرأتنا في الشريعة والمجتمع وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة حيث برز من حلقته المصلح الجزائري عبد الحميد بن باديس والرئيس الجزائري هواري بومدين. وتجاوز إشعاع جامعة الزيتونة حدود تونس ليصل إلى العديد من الأقطار الإسلامية ويعتبر المفكر العربي الكبير شكيب أرسلان جامع الزيتونة أكبر حصن للغة العربية والشريعة الإسلامية إلى جانب الأزهر والجامع الأموي وجامع القرويين. وقد ساهم جامع الزيتونة خلال فترة الاستعمار الفرنسي في المحافظة على الثقافة العربية المبنية على حفظ القرآن والشعر والأدب وكان المدافع الوحيد عن اللغة العربية بعد أن فقدت اللغة العربية كل المدافعين عنها تحت سيطرة الاستعمار.
ليس غريب أن أوائل العلماء في شتى العلوم كتبوا باللغة العربية مهما كانت أصولهم العرقية ومذاهبه الدينية والسبب لذلك أنهم حفظوا القرآن عن ظهر قلب في صغر سنهم وفي هذا الشأن تقول الخبيرة السيدة مليكة قريفو أن القرآن يزود الطفل بأكثر من 70 ألف مفردة ما يجعل الطفل ذو قدرة فكرية متميزة من الذكاء. بينما المناهج التي تدرس في المرحلة الابتدائية لا يزيد عدد المفردات التي يكسبها الطفل عن 50 مفردة وهذا أمر يضعف من قدرة الطفل العقلية ويجعله محدود التفكير والذكاء وهو سبب من أسباب تدهور الاخلاق والتخلف والتفاهة والفساد أيضا.
كانت الجامعة الزيتونية مؤسسة ذات ثلاثة أبعاد البعد الديني (معبد) والبعد التربوي (مدرسة) والبعد السياسي (مجلس شورى) منار العلم والرشد بعلمائها وقاعدة للتحرر والتحرير من خلال إعداد الزعامات الوطنية وترسيخ الوعي بالهوية العربية الإسلامية.
لم يشمل التعليم الزيتوني كامل فئات الشعب التونسي ولم يقتصر إشعاع الزيتونة العلمي على تكوين الطلبة ونشر الثقافة الدينية والفكرية بل كان أيضا كل أستاذ وكل طالب يحمل رسالة لصالح أهله وذويه بصفة طبيعية، يحاول أن يكون قدوة لعائلته في المنزل وفي الشارع وعند التاجر وفي المدرسة إن كان معلما فيقول المواعظ والمكارم والقيم الحميدة التي تعلمها عن أساتذته في جامع الزيتونة ويحث الناس على تطبيقها، عسى أن يساعد الناس عن فعل المعروف ونهيهم عن المنكر لصلاح المجتمع وسلامته ونجاته وهذا هو السبب الذي جعل الشعب التونسي بصفة عامة شعبا مُسالما ملئه الإخاء والتآزر والتسامح والتضامن والاحترام المتبادل.
لقد دام النظام التعليمي الزيتوني المتكامل لمدة قاربت 13 قرنا. وذكرنا أن الشعب التونسي شعب مسالم بصفة عامة بفضل إشعاع الزيتونة الثقافي والفكري والاجتماعي ودورها في تدريس ونشر الأخلاق والمكارم الإسلامية وقد تقرر إلغاء هذا التعليم منذ السنة الدراسية 1956-1957 تحت شعار توحيد التعليم ليتوقف تماما سنة 1964. والسؤال الوجيه هو: هل استمرت المدرسة الحديثة في تعليم الأخلاق للإنسان للارتقاء بسلوكه؟ وهل أن البرامج القائمة على التسلية والترفيه التي تبثها قنوات التلفزة التونسية تقوم بواجبها التثقيفي أم أنها تخضع لاستراتيجية إرادية غايتها الحصول على موارد إشهارية ولو كانت تقوم على رداءة البرنامج. هل أن للإعلام التونسي برمجة تربوية ذات جودة عالية تسدد ثغرة التربية الإسلامية ومكارم أخلاقها؟
وهل أن ما يحصل الآن من تدهور أخلاقي وسلوكيات شاذة وظلم وقهر وعدوان وإرهاب واستغلال وتفاقم الرشوة والفساد وتلاشي الهوية واحتقار الذات في مجتمعنا له صلة بالمدرسة التي أصبحت عاجزة على تعليم القيم والمكارم والأحكام الأخلاقية لمقاومة الفساد والرذيلة سبب الركود الاجتماعي والاقتصادي يمنع ارتقائنا إلى التقدم والازدهار والحداثة.
كان التعليم الزيتوني يتركز على مكارم الأخلاق والآداب التي حث عليها الإسلام وهي التي توفر للإنسان كسب القيم للمعاملة بين الناس بالإحسان والأمانة وحسن الظن وحسن الجوار وحفظ اللسان والعدالة والمروءة والاستقامة.
لكن اليوم لم تتمكن المدرسة من استمرار تلقين وتعليم مكارم الاخلاق على أحسن وجه لمكافحة الفساد ورغم ذلك يبقى شعبنا بصفة عامة شعب ذو الدين المعتدل والسلم المدني والتسامح واحترام الأبوين والجار ومكارم أخرى.
ولنذكر ما حصل بفرنسا مثلا عندما انفصل الدين عن السياسة فقليل ما يعرف أن ركائز الأخلاق التي تم الاتفاق على تدريسها في المؤسسات التربوية الفرنسية في الجمهورية الفرنسية العلمانية كانت مقتبسة من الدين المسيحي وهي العفة والاعتدال والإحسان والاجتهاد والصبر واللطف والتواضع وعدم الكبرياء ومقاومة الكسل والحسد والادمان والشراهة. فتدريس مكارم الأخلاق في المدرسة العلمانية الفرنسية اعتمد على المكارم الأخلاقية المسيحية لتحقيق العلاقات السامية بين أفراد المجتمع الفرنسي لتحقيق الرقي والتقدم ومكافحة الفساد. لكن لم يحصل هذا في تونس. بالعكس وقع إلغاء التعليم الزيتوني الذي كان متركزا عن الدين الإسلامي ومكارم أخلاقه مما تسبب في تلاشي الهوية التونسية لأن التعليم الزيتوني كان صماما للاعتدال. وإلغاءه ساهم في تقليد الغرب بصفة عشوائية فحصل تفسخ أخلاقي في المجتمع التونسي تسبب أيضا في التفكك الأسري وخلق فراغا روحيا في نفوس التونسيين نتجت عنه تيارات دينية متشددة منقولة عن قنوات التيار الوهابي. وهذا ما سمح بانتشار أطروحات تيار الإسلام السياسي المتطرف والسلفية.
– إذن، لمحاربة الفساد والتخلف والانحلال الاجتماعي لا بد من رسم خطة رؤية ترفع من شأن الانسان التونسي من خلال الاهتمام بالعلم وتطبيق القانون والمساواة ومحاربة الاجرام والفساد. كما أن السماح بممارسة الدين الإسلامي وغيره بحرية بعيدا عن الإدارة والسلطة والأحزاب والاقتصاد شرط أساسي لمحاربة الفساد. وبما أن الدين يعتبر شكل من أشكال العمل الجماعي الذي يمكن أن يدعم أو يعرقل مختلف التفاعلات الاجتماعية أو السياسية والاقتصادية والمجتمع فعلى القادة السياسيين أن يوظفوا فضائل الدين في بناء المجتمع وتقوية روابطه الوطنية مثل خلق الوازع الديني والأخلاقي ليكون قويا وثابتا يردع عن الانحراف يطور وعي ومدارك الانسان في حياته يساعده على التمسك بالقوانين والاستقامة وضبط سلوك الانسان وتصرفاته. إن الاهتمام بالتعليم وتربية النشء على مفاهيم المواطنة والهوية الموحدة التي لا تفرق بين جهة وأخرى أو معتقد أو آخر أو بلاد عربية أو أخرى والالتزام باحترام حقوق الانسان قادر على بعث جيل يؤمن بوحدة شعوب عربية مختلفة توفر الوحدة بقيم التعايش والتلاحم بين أفراد المجتمع. وعوض تعزيز القبضة الأمنية لمنع الانحراف والفساد فالأجدر دعم القطاع التربوي وبناء المدارس والجامعات ودعم البعثات الدراسية إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان بهدف قاعدة علمية تساهم في الرقي الصناعي لبلادنا.. ولتحقيق هذا كله لا بد من
إخراج المعلمين والأساتذة من البؤس والازدراء ومنحهم أعلى الأجور. وإذا كان للساسة بناء أجهزة الدولة فعلى المعلم أن يبني الانسان باعتباره صانع التقدم الأدبي والفني والعلمي والتنمية المستدامة.
وإذا كانت مقاومة الفساد ومكافحة الإرهاب ترتكز على تكوين إنسان ذو أخلاق سامية فلا بد من تعليم هذه القيم ابتداء من الصغر في المدرسة تعليما تنويريا يشمل الفلسفة والفنون للأطفال والتركيز على العلوم وخاصة علوم الأرض والبيئة.
وتقتضي مقاومة الفساد أيضا الاستغلال العقلاني للموارد المتاحة وبعث الاستثمارات والتطبيق الفعلي للقوانين.
إن مواجهة ومكافحة ظاهرة الفساد ممكن إذا تضافرت الجهود بين الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمواطنين وهذا واجب إنساني مقدس.





