توحيدة بن الشيخ طبيبة الفقراء..تحية إلى كل طبيبة في تونس…سليم مصطفى بودبوس

توحيدة بن الشيخ طبيبة الفقراء..تحية إلى كل طبيبة في تونس…سليم مصطفى بودبوس

27 مارس 2021، 21:05

     يحتفي محرك البحث “غوغل”، اليوم السبت 27 مارس 2021، بالذكرى الأولى لطرح البنك المركزي التونسي للتداول، ابتداءً من 27 مارس العام الماضي، ورقة نقدية جديدة من فئة 10 دنانير، واختيرت الدكتورة توحيدة بن الشيخ شخصية رئيسة لتلك الورقة النقدية وقد كتبت بهذه المناسبة في العام الماضي بصحيفة الأيام البحرينية (العدد 11344 الأربعاء 29 ابريل 2020 الموافق 6 رمضان 1441)ما يأتي

               انتشرت لدى أهل المشرق، من باب الطرافة والفكاهة، عبارة (…والإجابة تونس) في برامج المسابقات الثقافية والترفيهية؛ فكثيرا ما  تكون الإجابة (تونس) حين يطْرَحُ سؤال عن الأولى أو الأول في مجال ما فيكون الجواب فلان أو فلانة من تونس أو عن البلد الأول.. فتكون الإجابة تونس، حتّى اشتهرت العبارة (..والإجابة تونس).

والحقيقة أنّ تونس كانت سبّاقة في أكثر من مجال، وبقيت إلى يومنا هذا وفيّة إلى قصب السّبق، وإلى رموزها التاريخيين الذين أسهموا في نهضة البلاد؛ فقد طرح البنك المركزي التونسي للتداول، ابتداء من يوم الجمعة 27 مارس 2020 ورقة نقدية جديدة من فئة 10 دنانير وشّحتها بصورة أوّل طبيبة عربية تونسية «توحيدة بن الشيخ»؛ تكريما لهًا ولكل العاملين في المجال الطبي في ظرف تجتاح فيه الكورونا بلداننا. فمن هي توحيدة بن الشيخ؟ وما دلالة هذ التكريم والاحتفاء؟

لعلّ قصة توحيدة بن الشيخ أول طبيبة تونسية هي قصة نضال المرأة التونسية منذ مطلع القرن العشرين، وهي قصة تونس مع محاربة التخلف والجهل، وقصّتها قُدُمًا نحو خيار إستراتيجيّ يجمع التعليم إلى الصحّة، وهي إلى جانب ذلك قصة تونس مع كتابة تاريخ ناصع يجمع بين الأصالة والحداثة. حصلت توحيدة بن الشيخ على الشهادة الابتدائية سنة 1922، وأحرزت بامتياز على شهادة الباكلوريا سنة 1928، وكانت بذلك أول تلميذة تونسية مسلمة تحصل على مثل هذه الشهادة. كانت توحيدة تحب دراسة الطب، لكن أَنَّى لها ذلك في تونس آنذاك؟ لقد كان لزامًا عليها أن تبحث عن ذلك خارج البلاد، لذا نصحها الدكتور بورني (Dr. Burnet) الطبيب والباحث الفرنسي بمعهد باستور بتونس وزوجته صديقة أمها بمواصلة الدراسة في فرنسا. 

ولم تكن البيئة التقليدية المحافظة -التي نشأت فيها توحيدة بن الشيخ – تسمح لها بمواصلة تعلّمها في باريس في العقد الثالث من القرن العشرين، وهي يتيمة الأب، لولا حرص أمّها، حلّومة بن عمار، التي أصرّت على أن تواصل ابنتها دراستها في فرنسا رغم المعارضة التامّة للعائلة؛ إذْ اعتبرت أنّ ابنتها ستسافر لتدرس وتتعلّم، وطلب العلم هو واجب على كلّ رجل وامرأة في الإسلام. 

وهكذا استطاعت توحيدة دراسة الطبّ في (عاصمة الأنوار)، ورفقة عائلة الطبيب بورني تعرفت على الأوساط الثقافية والعلمية الفرنسية. ولم تكن سنة 1936 عادية بل كانت تعلن ميلاد أول طبيبة تونسية وعربية. وعند عودتها إلى تونس، حظيت أول طبيبة باستقبال كبير من العائلة ومن الوسط السياسي والثقافي، حيث نظّم الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي حفل تكريم لها في أبريل 1937 باعتبارها (أول طبيبة تونسية عربية مسلمة).

بدأت ممارسة الطبّ العامّ قبل أن تتخصّص في طبّ النساء والتوليد، نظرا لتردد الكثير من النساء على عيادتها لطلب نصحها ومساعدتها. وقد كتبت قائلة: «كان المجال الذي كنت أرى أنّني مفيدة فيه هو الصحة النسائية، فمريضاتي كنّ يطلبن مشورتي في كلّ مشاكلهنّ المتعلّقة بالصّحة وحتّى بالعلاقات الزوجية وعدد الأطفال الذين يجب إنجابهم”. 

لقد كان إحساسها الوطني عميقًا، فاختارت نهج النضال الاجتماعي من خلال تقديم المساعدة الطبية لمواطنيها ومواطناتها. ورغم ما عرض عليها من مشاركة في العمل السياسي إلا أنها خيّرت أن تخدم الوطن بطريقة أخرى؛ لذلك أسّست جمعية الإسعاف الاجتماعي، حيث تولّت رئاستها قصد إسعاف ضعاف الحال. وكانت هذه الجمعية وراء مشروع إقامة دار الأيتام «جمعية القماطة» سنة 1950 للعناية بالرضّع من أبناء العائلات المعوزة.

 وفي نفس السنة، أسّست توحيدة بالشيخ عمادة الأطباء التونسيين، وشغلت كذلك خطّة نائب رئيس بالهلال الأحمر التونسي. وفي الفترة بين 1955 و1964 عيّنت على رأس قسم الولادة بمستشفى شارل نيكول بمدينة تونس، ثم انتقلت بنفس الخطة إلى مستشفى عزيزة عثمانة، وقد ساهمت في الأثناء في تركيز سياسة التنظيم العائلي. وكلفت سنة 1970 بإدارة ديوان الأسرة والعمران البشري. وظلّت توحيدة بالشيخ «طبيبة الفقراء»، كما لقبها البعض، ملتزمة بالعمل المدني منشغلة بهموم المرأة التونسية زمن الاستعمار وبعده حتّى توفيت سنة 2010.

جرى تكريم الفقيدة في بلادها بأكثر من طريقة؛ فقد أسّس عدد من الأطباء جمعية طبيّة تحمل اسمها وهي «جمعية توحيدة بالشيخ للسند الطبي». وتمّ تصوير فيلم وثائقي عن حياتها بعنوان «نضال حكيمة»، بالإضافة إلى إصدار البريد التونسي طابعًا بريديًا يحمل اسمها وصورتها سنة 2012.

ومع صدور هذه الورقة النقدية علّقت الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي بكلّ شاعرية قائلة: «يا له من اختيار موفّق، أن تكون الدكتورة توحيدة بن الشيخ رمزًا لتكريمٍ مزدوج للمرأة التونسية، ولـ(حُماة الحِمَى) العاملين في المجال الصحيّ في مواجهة الكورونا»، وتتذكر مستغانمي قصة ولادتها في تونس على يَدَيْ الدكتورة توحيدة: «ولدتُ أنا وأختي صوفيا على يدها. وذلك الرضيع الذي ترونه على الورقة النقدية بجوارها في قماطة، لعلّه أنا…”. 

 وليس لنا أن نضيف على ما ختمت به أحلام مستغانمي حين قالت: «الدكتورة توحيدة بن الشيخ، أمّ الفقراء، وأمّ الشعراء، وأمّ تونس البهيّة الخضراء، ما كانت لتفوز بهذا المجد في عهد آخر غير هذا… عهد أخرج إحدى نساء تونس العظيمات من زمن النكران، ونفض عنها غبار النسيان، ووضعها تحت الأضواء الأبديّة، لتغدو أوّل امرأة عربية تزيّن صورتها ورقة نقديّة. تونس أيتها السبّاقة المذواقة، يا سيّدة الأصالة والثقافة، كم نُباهِي بِكِ!» وتُباهي بِنا.

مواضيع ذات صلة