حديث الجمعة : “شروط الوفاء بالعقود وأهم آثارها”

حديث الجمعة : “شروط الوفاء بالعقود وأهم آثارها”

30 جانفي 2026، 11:00

الحمد لله الذي شرفنا بخطابه، ويسر لنا سبيل المعرفة من خلال كتابه، نحمده تعالى حمد الشاكرين لجليل نعمائه، الموحدين له بمقتضى صفاته وأسمائه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله معلما ومزكيا، ومبينا للكتاب ولمعانيه مجلِّيا، صلى الله وسلم عليه صلاة وسلاما دائمين بدوام ملكه، وعلى آله الطيبين الأطهار، وصحابته الميامين الأبرار، وعلى التابعين لهم في الوفاء بسائر العقود ليل نهار.

أما بعد؛ معاشر المؤمنين والمؤمنات، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم، مخاطبا معاذ بن جبل رضي الله عنه، والخطاب -موجه كذلك – لأمته صلى الله عليه وسلم، قائلا:

«يا معاذ، هل تدري حقَّ الله على عباده، وما حقُّ العباد على الله؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحقَّ العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا»، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس؟ قال: «لا تبشرهم، فيتكلوا»[1].

عباد الله؛ في هذا الحديث النبوي الشريف دليل على أن الحقوق متبادلة حتى بين العباد وربهم، مع أن الله تعالى لا يجب عليه لأحد من خلقه شيء، وإنما أوجب سبحانه على نفسه تفضلا وإكراما، لا اضطرارا وإلزاما.

وقد تناولت الخطبة الماضية، من خطب “تسديد التبليغ”، بيان أهمية العقود في حياة الناس، والحديثَ عن وجوب الوفاء بالعقود، ولهذه العقود شروط كي تؤتي ثمارها وتحقق مقاصدها، وهو موضوع الكلام اليوم، وهي على سبيل الإيجاز والاختصار:

أولا: شروط الوفاء بالعقد مع الله تعالى؛ والعقد مع الله تعالى أعظم العقود وأجلها، ومنه العقيدة التي يعقد عليها المؤمن قلبه، وشرطها الأول الإخلاص المنبثق من الإيمان الصادق، ومعناه التحرر من كل النوازع والأهواء حتى يكون العبد تاركا لهواه متبعا لمراد الله تعالى في أمره، ومجتنبا لنهيه.

وشرطها الثاني العمل الصالح؛ وهو ما كان موافقا للسنة بعيدا عن البدعة والهوى، ويؤدى في أعلى درجات الإتقان والإحسان، إذ جاء في الحديث:

«إن الله كتب الإحسان على كل شيء»[2].

فالمؤمن مطالب بالإخلاص في العمل والإتقان فيه مع الله تعالى ومع العباد، حتى يكون موفيا بشرط العقد مع الله تعالى مستحقا لثوابه وجزائه العظيم. ولذا جاء الإيمان مقرونا بالعمل الصالح في كثير من الآيات في القرآن العظيم.

ثانيا: شروط الوفاء بالعقد مع الدولة؛ لا شك أن الدولة تعاقدت مع مواطنيها على أساس البيعة الشرعية والشورى فيما بينهم عبر مؤسساتها، فيجب على كل واحد منا أن يعرف ما له وما عليه؛ حتى يفي بشرط ذلك العقد بصدق وأمانة، فالواجب على الدولة على أساس تعاقدها أن تعلم أبناء المسلمين وفق المتفق عليه، وذلك بأن يكون في تعليمهم ما ينفعهم وتزكيتهم بالأخلاق الفاضلة ويغرس في نفوسهم حب القرآن والدين والإخلاص للوطن والعمل من أجله، كما يجب على الدولة أن تسهر على أمور الصحة بشرط المحافظة على السلامة الصحية للوطن والمواطنين، كما يجب عليها حراسة الأمن بشرط المحافظة على أمن البلاد والعباد، أما المواطنون فيدخل في تعاقدهم الإخلاص في كل عمل أو تعامل، فكلنا مسئولون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالأمير الذي على الناس راع عليهم وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهى مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده، وهو مسئول عنه، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»[3].

وثمار الوفاء بالعقد مع الدولة يثمر خدمة الأمة والوطن ويرجع بالفائدة العظمى على كل مواطن وعلى الجماعة ككل، ومن أهمه الكسب الحلال وهو ما أوفى فيه صاحبه بالشرط. وبذلك يعيش سعادة وطمأنينة في الدنيا، مع الفوز برضوان الله في الجنة.

نفعني الله وإياكم بقرآنه المبين، وبحديث سيد الأولين والآخرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مواضيع ذات صلة