صفاقس التي لم أعد أعرفها…سامي النيفر
أكتب هذا المقال بقلب موجوع على مدينة تربّيتُ فيها وعرفتُ عنها خيرا كثيرا ولكنني منذ عشرات السنين لم أعد أعرفها… صحيح أن صفاقس تحتل المرتبة الأولى وطنيا في معدّلات الباكالوريا وفي عدد الجوامع ولكنها وبفضل أولاد الحلال أصبحت تحتل المراتب الأولى في الجريمة المنظمة وانعدام الأمن والتهريب والحرقة وعدد الأفارقة وغيرها من الانحرافات الأخرى وتحتل المرتبة الأولى في كثير من الأحيان على مستوى الإصابات بالكورونا والوفيات وهي الأولى في حوادث المرور أيضا… حركة المرور عندنا كابوس مرعب كامل اليوم ولا تجد لها مثيلا في كامل أرجاء الجمهورية مع نظام مروري تعيس وسلوك أرعن من السواق.. عديد السلع مقطوعة في صفاقس فقط نذكر منها خاصة السكر والزيت المدعم… أسعار العقارات في صفاقس أغلى ثمنا من المرسى أو نابل أو عين زغوان… أسعار الأكلة الخفيفة (كسكروت، بيتزا، فريكاساي،…) أغلى من نابل والمهدية والمرسى وحي النصر.. البيتزا بالتن في الهوارية ب7 دنانير بينما تصل إلى الضعف في صفاقس وبجودة مماثلة أو أقلّ من المناطق الأخرى… نحن مدينة كبرى بمشاكلها فقط وبالمصروف الضخم الذي يدفعه ساكنها بالإضافة إلى الضرائب الظالمة بينما نحن محرومون من شاطئ نظيف ومن وسائل ترفيه محترمة (حديقة عمومية حقيقية، حديقة ألعاب ضخمة، مركب تجاري كبير،…) بل نحن محرومون من أبسط مقوّمات الحياة في بعض الأحيان (ماء، كهرباء، شبكات تصريف مياه انتهت صلوحيتها من زمان، شبكة انترنات ضعيفة، نقل عمومي تعيس إجمالا في الحافلات والتاكسي ومشروع المترو بقي حبرا على ورق،…)… مليون ساكن في رقعة جغرافية صغيرة نسبيا بمعدّل كثافة سكانية 134 ساكن/كم² وقد زاد عدد العمارات العشوائية واكتظت الطرقات وانسدت حتى إن بناء قناطر في وسط المدينة أو حتى ضواحيها القريبة يعدّ أمرا شبه مستحيل وهو ما قد يحكم علينا بالاختناق المروري والبشري… الصفاقسي معروف بدماثة أخلاقه وبطيب معشره… كان هذا مع الأجداد رحمهم الله… اليوم قطيعة أرحام، جار يخاصم جاره بلا سبب ويحتل أرضه ويفسد الطريق العام، أنانية مفرطة وتكالب على الأموال “قلوب كاسحة ومالحة”.. “نفسي نفسي الله لا ترحم من مات”.. لعل المادة غيرتنا وسبّبت هذه الخصومات والقطيعة وجفاف المشاعر… نحن أصحاب المراتب الأولى في عدد المقاهي وفي الجفاف ولعلّنا هنا بحاجة إلى مراجعة المشاكل البيئية (التلوث) ولكن أيضا في مراجعة أخلاقنا التي انحدرت إلى الحضيض بعدما كنّا مضرب الأمثال في الطيبة والتربية… تمرّ علينا السحب والبرق والرعد ثم لا تمطر فهل نتّعظ ؟ تمطر في الجمّ وقابس والقيروان وفي كل مناطق الجمهورية إلا عندنا… حتى المهندس الخبير محرز الغنوشي أبدى استغرابه من حالة صفاقس… حتى غسّالة النوادر التي كنا نتأفّف منها لم ترض بنا… خلاصة القول : نحن بحاجة إلى مراجعة أنفسنا وصفاقس تستحق أحسن من هذا بكثير وقد ظلمنا الآخرون ولكننا أيضا ظلمنا أنفسنا في كثير من المواقف.
سامي النيفر





