صفاقس جامع الحكمة : من يوقف تعسّف إطارات المسجد على المصلّين؟

صفاقس جامع الحكمة : من يوقف تعسّف إطارات المسجد على المصلّين؟

28 فيفري 2026، 19:00

في شهر الرحمة .. شهر المغفرة .. شهر “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ” .. يفترض أن تُفتح أبواب المساجد كما تُفتح أبواب السماء… وأن تُفرش الأرض بسعة صدرٍ قبل أن تُفرش بالزرابي. ويفترض أيضا أن يُستقبل المصلّي، خاصّة إن كان مريضًا أو مُثقَلًا بسنوات العمر، بابتسامة تُعينه على القيام والركوع ولو من على كرسيٍّ صغير.
لكن، ويا للمفارقة .. في جامع الحكمة بطريق بوزيان بصفاقس يبدو أنّ بعض الإطارات قد فهمت “عمارة المساجد” على أنّها عمارة للزرابي لا للقلوب، وحماية للنسيج لا للإنسان.
المشكل ليس في تنظيمٍ يحفظ النظام .. ولا في حرصٍ مشروع على نظافة بيت الله .. فذلك محمود. المشكل حين يتحوّل الحرص إلى تعسّف .. والتنظيم إلى تضييق .. والوصاية إلى استعلاء. فبعض المرضى الذين أرهقتهم الأجساد ولم تُرهقهم الرغبة في الوقوف بين يدي الله، يُخيَّرون في هذا الجامع بين الصلاة في بهوٍ بارد خاصّة في ليالي التراويح .. أو الصعود إلى بهوٍ علويّ، وكأنّهم يُعاقَبون على عجز لا يُراعَى ضعفهم.
أما الصلاة داخل الجامع نفسه، فممنوعة على من يجلس على كرسيّ، بحجّة أنّ الكراسي “تُفسد الزرابي! وكأنّ الزربية كائنٌ هشّ يُغشى عليه من رؤية كرسيّ، أو كأنّ الخشوع يُقاس بعدد ألياف السجاد التي لم تُمسّ..
الأدهى من ذلك، أنّ الأمر لم يقف عند حدّ التنبيه أو التوجيه، بل تطوّر – بحسب شهادات عدد من المصلّين – إلى افتكاك كراسٍ من تحت بعض المرضى لأنّهم لم يمتثلوا لهذا “القانون” الغريب. فأيّ صورة هذه التي نرسمها عن بيوت الله؟ وأيّ رسالة تُبعث لمريضٍ جاء يطلب الأجر والسكينة، فإذا به يُفاجأ بالتجهم والتعنيف اللفظي وربما المادي؟
وحين حاول بعض المصلّين التدخل بلطف لتهدئة الوضع أو التوسّط، قوبلوا – هم أيضًا – بكثير من التعسّف والتطاول. وكأنّ المسجد صار إدارة مغلقة لا فضاءً عامًا للعبادة، وكأنّ من يعترض على القرار يعترض على “سيادة الدولة” لا على اجتهاد بشري قابل للنقاش..
لسنا هنا بصدد التشكيك في نوايا الجميع، فبالتأكيد في الإطارات من يسهرون على راحة المصلّين بصدق وإخلاص. لكنّ المشكلة حين يطغى منطق “أشرب وإلاّ طيّر قرنك” و”هاكة اللي ثمة وكان عجبك” … فالمسجد ليس ملك “السيد الوالد”، ولا ضيعة خاصّة، بل هو بيتٌ من بيوت الله، يؤمّه المسلم بصفته عبدًا لله لا ضيفًا ثقيلاً على أحد.
ثمّ أيّهما أولى بالحماية: زربية يمكن تنظيفها أو استبدالها، أم كرامة مصلٍّ مريض جاء يبتغي الأجر؟ أليست القاعدة الشرعية واضحة في التيسير على أصحاب الأعذار؟ أليس من مقاصد الشريعة رفع الحرج، لا صناعته؟
إنّ ما يحدث يستوجب وقفة جادّة من السلط الجهوية المعنية، للتحقيق في هذه التجاوزات، والاستماع إلى شهادات المصلّين، ووضع إطار تنظيمي يحفظ النظام دون المساس بكرامة المرضى أو التضييق عليهم. فتنظيم استعمال الكراسي ممكن، وتخصيص أماكن مناسبة ممكن، والحفاظ على نظافة الجامع ممكن… لكن كلّ ذلك لا يكون بالعنف ولا بالاستعلاء.
وفي شهرٍ يُفترض أن تتضاعف فيه الرحمة، لا يجوز أن يُضاعف فيه التضييق. وفي مكانٍ يُفترض أن يكون ملاذًا للضعفاء قبل الأقوياء، لا يليق أن يتحوّل إلى فضاء فرزٍ بين “قائمٍ على قدميه” و”قائمٍ بنيّته”. وربي يهدي من خلق.
إلياس القرقوري

مواضيع ذات صلة