عبد المجيد شعبان…”حجر كريم ” رصّع البيئة الصحفية بالانتصار للوطن وقيم العروبة

عبد المجيد شعبان…”حجر كريم ” رصّع البيئة الصحفية بالانتصار للوطن وقيم العروبة

13 جوان 2021، 21:42

كتب رضا القلال  

ثنائي بإذاعة صفاقس أردت منذ مدّة أن أكتب عنه: عبد المجيد شعبان والمختار اللواتي،.  لم أرد أن تضيع تجربتهما عن عين التاريخ، تاريخ إذاعة صفاقس، وتاريخ الصحافة، وتاريخ المدينة… فقد رصّعا ” صاحبة الجلالة” بقيم الأداء الرفيع وتقديس العمل وروح الوطنية والنضال. كتبت عن مختار اللواتي وجاء نصا يليق به، كما ظهر من حجم التعاليق…

وعبد المجيد شعبان أخ عزيز أيضا، وزميل جليل بإذاعة صفاقس، وهو صديق كل الصحفيين لتجربته وخبرته وتألقه، وكان من الطبيعي ان بتفوق عنهم بحكم ثقافته الواسعة من ناحية، ومحبته للقراءة والاهتمامات المتنوعة من ناحية موازية. يحدثك عن “البشمركة” في العراق، وعن غرب اسيا ومصر وواد السند التي شهدت ميلاد الحضارة الإنسانية، ويكتب عن يوميات ظرفية 2011 التي قدمت عرضا عن جلب الجنة الى ارض تونس انتهى بسجن أخلاقي وديني وسياسي وبفقر يتفشى بهمجية وبلا رحمة، وعن قوة أمريكا الفجة في العالم. ويكون التناول دائما مفيدا ومشوقا. وهكذا ظل عبد المجيد شعبان إلى اليوم نموذجا فريدا أو مدرسة فريدة بين الصحفيين والأصدقاء.

الانتساب الى إذاعة صفاقس سنة 1965

يعلمنا التاريخ درسا بالغا الأهمية : وهو أنه من الصعب أن تكون “نجما”. وعبد المجيد شعبان له تجربة لا يكشف عنها بالضرورة هذا المقال، بدت لي صعبة ومثيرة ومثمرة. التحق بالمدرسة الوطنية للإدارة التي أسسها وأدراها منصور معلى. ولكن حادثة قاسية ألمت بوالده غيرت مجرى حياته. وبما أن الحبل ينقطع من الجانب الأضعف، وباعتباره كبير العائلة، انقطع عن الدراسة ودخل سوق الشغل ليؤدي واجب القيام بحاجات عائلة كثيرة العدد، ولم يتعطل نبوغ الأبناء والبنات. التحق عبد المجيد شعبان بالقطاع المالي، ولكن ويبدو أن موظف بنكي أو”بنكاجي” فيما يعرف اليوم بعمارة “بنك تونس” التراثية المهدورة، لم تكن ترضيه، أو تشبع نهمه الثقافي. وفي نفس اليوم الذي لبس فيه “ربطة العنق البنكية”، دخل لأول مرة إلى إذاعة صفاقس وهي على مرمى حجر، لاحتساء فنجان قهوة، وتحولت جلسة مع عبد العزيز عشيش مدير الإذاعة البارز إلى مقابلة عمل. أي أن النتيجة النهائية انتسب عبد المجيد شعبان وعمره 19 سنة إلى إذاعة صفاقس عام 1965، وسرعان ما التحق به مختار اللواتي(من مواليد 1947) في نفس السنة، بمعنى 4 سنوات بعد بعث الاذاعة. وهما بذلك أقدم من جريدة “لا غازيت دي سيد” التي لم تتأسس إلا سنة 1975.

ومنذ ذلك اليوم سبح عبد المجيد شعبان في نهر الوقائع، وتسلّق جبال الأحداث، وفتح أبواب الشخصيات، ولم يكف يوما عن تحصيل العلم والقراءة في كل مجال، وهذا سرّ تميزه برأيي، يليق وكذلك مختار اللواتي بتدريس طلبة الصحافة وغرف الاخبار المتعددة المنصات.

طفولته مفتاح شخصيته

 وعبد المجيد شعبان طفولته هي مفتاح شخصيته. فتح عليه خاله قاموس العروبة وعبد الناصر وفلسطين، وغذت معركة “الكرامة” الفلسطينية” هذا “الطليعي الثائر” مع رفيق دربه وتوأم روحه كما يصفه عبد الرزاق كمون. وكان هذا منواله وخريطة الطريق التي سار عليها طوال مسيرة حياته. تحققت له شخصيته الحرة بكل ثقة، مع اعتزاز بنفسه وقدراته، وانخرط بفطرته في ممارسة الصحافة والنضال النقابي والدفاع عن القومية العربية .

اللافت للانتباه أن عبد المجيد شعبان كان يدخل استديو البث لتقديم نشرة الأخبار ببعض رؤوس الأقلام والملاحظات التي أخذها من الاستماع إلى الإذاعات العربية والدولية، في زمن لم يكن فيه “تلكس” موجودا، أي أنه كان يرتجل نشرته. وعبد المجيد شعبان مثل أبناء جيله يمجّد العمل ويقدّسه، يطوف بسماوات العالم بحثا عن الأخبار الاذاعية منذ الرابعة صباحا، لتحقيق “دهشة” أخبار السابعة والنصف من إذاعة صفاقس.  خاطب المستمعين من وراء المقام الإذاعي في برامج عديدة، بحيث تعدّى الاخبار إلى برامج الأحداث الأسبوعية، وفي كل هذه البرامج يعطي المفتاح الذهبي لفهم الكثير من الموضوعات، وفي ذاكرته محاورة عبد الحليم حافظ سنة 1969 عندما أحيى حفله بصفاقس بفندق مبروك في قلب باب بحر، واللوردكاش، وغيرهما…

 ونقرأ اليوم لعبد المجيد شعبان المقال الصحفي الذي يسكب فيه خواطره المرسلة كأحد خبراء المطبخ الصحفي في جريدة الشروق في ركن “جرة قلم”، ونقرأ له  في فضاء “سوشيل ميديا” معلقا، جامعا مانعا،  طارحا أسئلة،  ومنتجا لأفكار…ونسمع له “ما وراء الخبر” بإذاعة صفاقس بصوته أو بصوت الزميلتين نزهة اللواتي أو رشيدة الغريبي، وتشعر بجهده الواضح والجليّ،  ومهارته في قراءة الأحداث والوقائع والأشخاص.

هل يكتب عبد المجيد شعبان مذكراته؟

وعود على بدء عبد المجيد شعبان ظاهرة صحفية متفرّدة، مناضل ومثقف عميق، وأفضل معلق سياسي عرفته إذاعة صفاقس منذ تأسيسها.  توصّل بالجهد والعرق، إلى أداء رفيع لم يقاسمه فيه أحد، لأنه صاحب أسلوب متميز. كان له فضل كبير في ظهور مدرسة لم يبرز فيها أحد إلى اليوم بخلاف شادية بن عياد التي تسير خلفه. والمهم بخلاف هذه الورقة المختصرة لسيرة ذاتية  عناك “عالم اسطوري” يلف عبد المجيد شعبان في صفاقس وعنابة والجزائر العاصمة وليبيا وقرية الكرامة في الأردن، و56 سنة لم ينقطع فيها عن الإذاعة والعمل الصحفي بما فيها هجرته أو منفاه مدة 12 سنة…وهي كلها مادة خصبة وثرية ومتنوعة، وهذا حقل صحفي آخر جاذب وشائق لا يقدر عليه الا صاحبه . فهل يستدعي عبد المجيد شعبان هذه الذاكرة  ويكتب مسيرته ومغام راته وتجاربه؟

مواضيع ذات صلة