قيس سعيد : أسمع كلامك أصدقك …. بقلم أحمد الحباسى كاتب و ناشط سياسي.
“أكره ما تقول لكنى سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله ” ، هذه المقولة الشائعة للكاتب الفرنسي الشهير فولتير (voltaire ) ما كانت لتبقى راسخة في الذاكرة البشرية لو لم تكن تحمل عصارة الفكر الإنساني الباحث عن حرية التعبير و الذي يلاقى الويلات من أجل الحصول عليها . المصيبة أن كل دساتير العالم تتحدث بوثوق عن حق الإنسان في التعبير و كل الحكام يزينون دساتيرهم بفصل يتحدث عن هذا الحق لكن المشكلة تخرج للعلن بمجرد التطبيق لان الحكام العرب بالذات يضيق صدرهم بحرية التعبير و ينفرون منها و فيهم من جلد شاعرا لمجرد نظمه قصيدة إعجاب تتحدث عن “ثورة الياسمين ” التونسية لأنه رأى فيها غمزا و لمزا نحو نظامه الشمولي البائس . لا ينفك الرئيس قيس سعيد يتحدث عن قناعته الراسخة بحرية التعبير و على كل حال فهو لا يقدر أن ينأى بنفسه عن مضمون الفصل 37 من الدستور الذي حرره بنفسه بعد أن تجاهل أفكار و نصائح من كلفهم بدراسته مثل العميدين الصادق بلعيد و أمين محفوظ .
ما قيمة حرية التعبير إذا لم تكن مرادفة لحرية الاختلاف ؟ من المؤكد أنه يجب أن يتضمن التزام السيد الرئيس بضمان حرية التعبير و حماية حرية حق الاختلاف و حماية النقد الذي لا يودّ سماعه تماما كما يحصل مع الكلام الذي يود سماعه لان هذه الحماية هي أساس الديمقراطية و أساس حقوق الإنسان . إن اهتمام الإنسان بالسماح له بالتعبير لا يختلف عن اهتمامه بالسماح له بحق الاختلاف و على فرصة التعبير عن رأيه المخالف دون خشية من إيداعه وراء الشمس كما يحصل للمعارضين في كل الأنظمة العربية و كما كانت تفعل المخابرات أو من كانوا يسمونهم ” زوار الفجر ” في عهد صلاح نصر و عهد إدريس البصري في مصر و المغرب زمن المرحومين جمال عبد الناصر و الحسن الثاني . يقول السيد الرئيس أنه مع حرية التعبير و أنه لم يتعرض لأحد بسبب حرية التعبير لكن السيد الرئيس يقفز على حقائق تقول أنه من أصدر المرسوم عدد 54 لسنة 2022 و هو المرسوم الذي يضيق و يضرب حق الاختلاف في مقتل كما أن سيادته يعبر يوميا عن ضيقه و تضايقه من كل الأصوات المعارضة التي يعتبرها أصوات نشاز في مشهد سياسي يريد أن يكون الوحيد ى ضبط إيقاعه بلا حسيب أو رقيب أو لسان معارض.
ربما جاء المرسوم عدد 54 قاسيا و عنيفا في روحه و مقاصده و ربما أراد السيد الرئيس أن يستعمل هذا المرسوم كخط بارليف الشهير يمنع عنه عبور ما لا يريد سماعه من الآراء المعارضة لمخططه للاستفراد بالرأي و لكن كما تم إسقاط خط بارليف إبان حرب أكتوبر 1973 فان ألسنة النقد ستتمكن من إسقاط هذا الخط و اختراقه لان حرية التعبير و الاختلاف لم تخلق لتدفن تحت أقدام المراسيم الجائرة أو ليتم شلّها بواسطة القنابل المسيلة للدموع لقوات شرطة منع حرية الاختلاف. لقد ذهب بعض المفكرين إلى التأكيد و الجزم بأن الحكومة التي لا تكفل حرية التعبير و الاختلاف لن تكون حكومة شرعية على الإطلاق و لا ينبغي أن توصف بأنها ديمقراطية لان الديمقراطية في مفهومها المستقر هي الحماية الشاملة لحرية الاختلاف و القوانين و السياسات لا تكون شرعية إلا إذا طبقت من خلال عملية ديمقراطية و لا تكون العملية ديمقراطية إذا منع اللسان المعارض من حق الاختلاف . الإيمان بحرية الاختلاف يا سيادة الرئيس قد كان كفيلا بمنعك من إصدار المرسوم 54 لسنة 2022 لكن و كما يقول المثل ” أسمع كلامك أصدقك أشوف أمورك استعجب “.





