
كان عليه ان يستبدل أباه عوضا عن استبدال الوطن
في وطن يتمتع فيه عدد كبير وواسع من المواطنين بابسط مرافق العيش التي تكفل له كرامته لا يمكن ان يفكر في الهجرة الا اذا كان في تكوينه التربوي و النفسي ناقصا في الشعور الوطني . وهذا ليس بتجن وانما اجابة على كل من يقول لم يعطني هذا الوطن شيئا.
في مجتمع لا يفكر الا في جمع المال لابد ان نجد كثيرين يتكالبون على جمعه مهما كانت مصادره كلما ضعف فيهم الوازع الديني و انحطت فيهم الاخلاق
في عائلات تعيش على المقارنة لابد ان تزجبابنائها الذين لم يكونوا متميزين في الدراسة ولم يحصلوا على رواتب مذهلة في مهب البحر من اجل مقابيض بالدولار او اليورو
في عائلات لا تعرف ان الوطن احن من الغربة لابد ان تقسي قلوب ابنائها و تقنعهم ان مكانهم الافضل حضن غريب يقدم التقدير الجدير بمهاراتهم وان المبدا يقف على توازناتهم المالية لا على احتياجات وطن .
الاب الذي يبعث ابنه الذي رباه و كافح لاجل تربيته لمدة اكثر من عشرين سنة لمخاطرة ربما يكتب لها النجاح وربما ينتهي بها ابنه في بطن الحوت فهذا سوسيولوجيا غريب
ان تحث ام ابنها وتبيع من اجله اساورها و تجتهد لتقنعه بالغربة في ظروف مشبوهة . استحثاث يصل الى التهديد بالغضب عليه و حلول سخطها اذا لم ينفذ طلبها في الموت عوما في بحار مالحة فهذا يحتاج جهابذة من الباحثين في العلوم الانسانية
ماذا تغير يا ترى الام تغيرت ولم تعد تلك التي تحدثنا عنها الكتب و الاساطير من حنان وحدس و تضحية ووو …غيره من الصفات العجيبة و الموجودة فعلا على الارض بشهادة من لهم ام بمثل تلك الصفات
ام ان الاب هو الذي تغير و صار لا يفكر كما كان يفكر في انجرار النسب و تخليد اسمه و من يرثه على الارض . يحمل نعشه واسمه من بعده ويواصل مسيرته وسط العائلة الموسعة فيقوم بكل الواجبات و يذكر الناس بشمائل الاب المتوفى
افيون ما تسلل الينا الى عديد الطبقات وحدث كل طبقة بما يستهويها والمشترك بينها ان تونس لم يعد وطنا في الوقت الحالي ويجب استبداله بما يمكن ان يحقق لكل مواطن هواه سواء في دخل افضل او في تجربة خارج السياق او في مجال عمل ارقى او او او .لكن كل هذه الاسباب و غيرها غير كافية لتكون مقابل الحياة نفسها فنحن البشر اكثر ما نخاف عليه هو حياتنا و مهما اخذنا من تطمينات تظل غير كافية اذا تعلق الامر بخطر حقيقي او بمصير مجهول .
لكل ذلك انا اطرح السؤال كيف يستبدل الفرد حقيقة بامل ويستبدل استقرار بفكرة ويستبدل حياة بخطر ويستبدل عائلة بانفصال و يستبدل وضعية مريحة باخرى اقل راحة او غير معلومة كيف يمكن ان يحث اب ابنه على مثل هذه الحلول لابنه الذي لا خبرة له في الحياة او ابنه الذي استقر واسس وزرع في ارضه كيف يحثه على عدم انتظار وقت الحصاد . يذكرني هذا المشهد بتهافت الفلاحين و الكاسبين لاراضي فلاحية على غراسة الزياتين الاسبانية و اليونانية التي تبدا في انتاج الزيتون منذ السنوات الاولى . لم الانتظار لزيتونة اصيلة تعطي اكلها بعد مشيب وهكذا تسللت الينا عقلية تدافع بشراسة عن وجودها وتحطم ما تبقى في الاجيال من صبر و عطاء .
امام كل هذه التطورات الاجتماعية او الانحرافات الاجتماعية اعتقد انه لابد من ايقاظ المتخصصين في الشان الاجتماعي و المتكونين في تخصصات تتقاطع معه بما يجعل الجميع في حالة استنفار يبحثون يخططون ويعملون على تنفيذ خطط النجاة ليس من البحر و خطر المكوث في الاعماق وانما ايضا خطر الانحطاط الاخلاقي الذي معه لا قيمة لوطن ولا قيمة الا للمال . لان العد التنازلي الذي اصاب الان الشعور بالانتماء للوطن يمكن ان يصيب الانتماء للعائلة معه يمكن ان نبحث عن اب جدير ماديا بان يكون ابا ولا يكلفنا مشاق حلم جديد .