كيف نحتفل بالذكرى السبعين للاستقلال؟….الصادق شعبان

كيف نحتفل بالذكرى السبعين للاستقلال؟….الصادق شعبان

19 مارس 2026، 21:45

في الذكرى السبعين للاستقلال، لا يكفي أن نحتفل بخروج المستعمر، ونمجد ابطالنا و نعدد انجازاتنا ، بل يجب أن نقيّم أنفسنا ونسأل: ماذا فعلنا بالاستقلال؟ ولماذا سبقتنا دول كانت مثلنا، وربما أقل منا عند الانطلاق؟…
الحقيقة أن تونس لم تفشل في كل شيء… لقد نجحت في بناء الدولة الوطنية، وفي نشر التعليم، وفي تحديث الإدارة، وفي تحقيق مكاسب اجتماعية ومدنية مهمة. وهذا رصيد وطني كبير لا يجوز إنكاره… لكن الحقيقة الأخرى هي أن هذا الرصيد لم يتحول إلى قفزة اقتصادية كبرى، ولا إلى نهضة صناعية وتكنولوجية، ولا إلى قوة تضع تونس في المكان الذي كانت تستحقه…
ذلك أن أمما أخرى لم تكتف ببناء الدولة، بل حملت مشروعا وطنيا واضحا، وحسمت خياراتها، ثم واصلت الطريق دون تردد…
كانت تبني وتصحح وتراكم… لم تكن تهدم ما تحقق كلما تغيرت الظروف، ولا تبدأ من الصفر عند كل منعطف… جعلت من التعليم أداة للإنتاج، ومن الإدارة أداة للنجاعة، ومن الاقتصاد قضية وطنية مستمرة…
أما نحن، فقد عرفنا في مراحل كثيرة شيئا من العكس: ترددا في الاختيار، وتقطعا في الإصلاح، وتغييرا في الاتجاه، وتعطيلا لما تحقق بدل البناء عليه… وكانت لدينا كفاءات، لكن لم يكن لدينا دائما نفس الوضوح في المشروع، ولا نفس الثبات في التنفيذ، ولا نفس القدرة على التراكم دون هدم…
وفوق ذلك، لم تتحول اختلافاتنا الداخلية دائما إلى مصدر ثراء وابتكار، بل تحولت في أحيان كثيرة إلى عامل تعطيل… بدل أن يكون التنوع في الرأي والاجتهاد مدخلا إلى حلول أفضل، صار أحيانا سببا في الشلل، وفي إضاعة الوقت، وفي إضعاف القرار، وفي تغليب الانقسام على المصلحة العامة… فالأمم الكبرى لا تخلو من اختلافات عميقة، لكنها تعرف كيف تتجاوزها، وكيف تنظمها، وكيف تضع فوقها مشروعا وطنيا مشتركا يواصل السير مهما تعددت الآراء وتغيرت القيادات…
نعم، كانت هناك أيضا أحداث ثقيلة وصدمات كبرى عطلت التقدم… ونعم، لم تخل الساحة من ضغوط خارجية ومصالح أجنبية واختلالات دولية…لكن هذا كله لا يكفي وحده لتفسير ما حدث…فالعامل الحاسم ظل في جانب كبير منه داخليا: غياب المشروع الواضح والمستمر، والافتقار أحيانا إلى الحسم، وإلى الاستمرارية، وإلى ثقافة البناء التراكمي، وإلى القدرة على تحويل الاختلاف من عبء إلى قوة…
لقد ربحنا معركة التحرير من الاستعمار، وربحنا جزءا مهما من معركة بناء الدولة، لكننا لم نربح بعد معركة القوة الاقتصادية …
وهنا يكمن الدرس الكبير بعد سبعين سنة: الأمم لا تتقدم فقط بالذكاء ولا بالنوايا الحسنة، بل تتقدم حين تحمل مشروعا واضحا، وتلتزم به، وتصبر عليه، وتصوب أخطاءها دون أن تضيع البوصلة، وتراكم إنجازاتها دون أن تهدمها كل مرة، وتحسن إدارة اختلافاتها بدل أن تجعلها سببا في التعطيل…
ذلك ما تحتاجه تونس اليوم: رؤية واضحة، واختيارا محسوبا، وإرادة ثابتة، واستمرارا في العمل، وتراكما في البناء، وقدرة على جعل الاختلاف طاقة لا عائقا…
فالأوطان لا تصعد بالارتجال، ولا بالتردد، ولا بالصراعات المستنزفة، بل بالمشروع الواضح، والعمل المتواصل، والإضافة المستمرة…
هذا هو الشرط الحقيقي للتقدم… وهذا هو المعنى الجديد الذي يجب أن نعطيه للاستقلال…

مواضيع ذات صلة