مجرد رأي : بين السياسي والنقابي خيط رفيع (الجزء الرابع)…المنجي عطية الله

مجرد رأي : بين السياسي والنقابي خيط رفيع (الجزء الرابع)…المنجي عطية الله

20 جانفي 2023، 20:46


في نهاية الجزء الرابع من هذه القراءة المختزلة لعلاقة الإتحاد العام التونسي للشغل بالسلطة عبر التاريخ ، وصلنا إلى التساؤل المفصلي عن الأسباب التي أدت إلى أحداث الخميس الأسود ذات 26 جانفي 1978 ؟!
قلنا بعد فشل تجربة التعاضد و تعيين الهادي نويرة على رأس الوزارة الأولى بصلاحيات رئيس حكومة ، تخلى عن الفكر الإشتراكى الذي كان من صميم سياسة بورڨيبة و توجه إلى ٱقتصاد السوق بعد أن أظهر للإتحاد في البداية ٱهتمامه بالطبقة الكادحة ، و لطمأنته أبرام معه عقدا ٱجتماعيا بدعوى المحافظة على الإستقرار في الأوساط العمالية و الإجتماعية التي تعيش في معظمها الفقر و الخصاصة .
بعد بضع سنوات تبين للإتحاد أن الإنفتاح الإقتصادي الذي ٱعتمده الهادي نويرة ، كرس النمط الرأسمالي الذي بدأ في التوحش و تعميق الفوارق الإجتماعية قابلها ٱنخراط ألاف المدرسين في التعليم الإبتدائي و الثانوية و العالي إلى جانب القطاعات الهشة ، في نقابات يغلب عليها الفكر اليساري وهو ما كان له دور كبير في ضخ دماء جديدة في سياسة الإتحاد الذي أصبحت مطالبه تتوزع بين الحقوق العمالية و الحرية وهو مؤشر جديد على تسييس تحركاته لأول مرة في فترة الإستقلال ، على شاكلة الأحزاب بما أنه تبنى إيديولوجية فكرية سياسية غير معلنة !
في تلك الفترة ، لا يمكن أن نغفل عن ٱنطلاق الصراع الخفي ، قبل أوانه ، في كواليس قصر قرطاج حول خلافة بورڨيبة الذي ٱضطرته حالته الصحية في أكثر من مناسبة إلى السفر خارج البلاد العلاج . الحبيب عاشور ، حسب قراءة بعض المؤرخين ، ٱنخرط وقتها في الصراع السياسي بوعي منه ، من خلال إعلان ٱستقالته من الديوان السياسي و اللجنة المركزية للحزب الإشتراكي الدستوري وهو ما يعني تلميحا القطيعة مع الحزب الحاكم و التبرؤ من سياساته الإقتصادية المزاجية التي لم تعد في تقديره تخدم مصالح غالبية الشعب من الطبقة المتوسطة و الفقيرة التي تمثل قرابة التسعين بالمئة في تلك الحقبة .
إستقالة الحبيب عاشور بوصفه أمينا عاما للإتحاد ، من هياكل الحزب الإشتراكي الدستوري ، فسره بعض الملاحظين من الخبراء و المؤرخين بتخلص المنظمة من ٱنصهارها السياسي التاريخي في الحزب الحاكم الذي فرضه الواقع الإستعماري منذ عهدة حشاد و تحولها إلى الفعل السياسي العمالي تحت غطاء العمل النقابي وهذا ما يفهم من الوقائع .
الحقيقة أن أحداث الخميس الأسود بدأت تتأسس أركانها قبل عام على الأقل من خلال بعض التحركات العمالية هنا و هناك و لكن التعبئة التي قدمت مؤشرات الصدام ٱنطلقت من صفاقس بيت الثورات و عنوان الصمود عبر التاريخ ، يوم 9 سبتمبر 1977 من خلال المظاهرات الحاشدة تخللتها مناوشات مع البوليس و ما عقبها من ٱعتقالات ، مؤشر ٱلتقطته السلطة بكل جدية و حزم من خلال إقالة الطاهر بلخوجة من وزارة الداخلية وهو المعروف بميله للحوار و تعويضه بوزير الدفاع عبد الله فرحات ذي النزعة المتشددة ثم سرعان ما تم تغييره بعد ثلاثة أيام فقط بالضاوي حنابلية، ليعود إلى وزارة الدفاع قبل شهر تقريبا من الأحداث المأسوية ، كان ذلك يوم 26 ديسمبر 1977 .
وزير الداخلية الضاوي حنابلية هو الذي ضبط مع أعوانه من كبار الضباط ، الخطة الأمنية التي جابهت بها السلطة أحداث 26 جانفي 1978 في أول مواجهة دامية بين السلطة و الإتحاد بعد الإستقلال ، مواجهة ستكون محور حديثنا في الجزء الخامس . إنتظرونا ،،،،

مواضيع ذات صلة