مجرد رأي : بين النقابي والسياسي ، خيط رفيع (الجزء 14) …المنجي عطية الله

مجرد رأي : بين النقابي والسياسي ، خيط رفيع (الجزء 14) …المنجي عطية الله

23 فيفري 2023، 20:42

في آخر متابعاتنا لتعامل المنظمة الشغيلة في تونس مع الحكومات المتعاقبة في علاقة بتدخلها في المشغل السياسي بطرق و أساليب مختلفة ، أنهينا الحديث عن مسار تفاعلها مع حكومة الحبيب الصيد الأولى و الثانية التي سحب منها البرلمان الثقة رغما عن أنف الرئيس الباجي قائد السبسي الذي وجه الدعوة إلى أحد معارفه لتشكيل حكومة جديدة و هو يوسف الشاهد الذي كان يشغل وقتها منصب وزير الشؤون المحلية
بداية التواصل المباشر بين حكومة يوسف الشاهد و المنظمة الشغيلة ممثلة في أمينها العام حسين العباسي حصل بعد أقل من أسبوع من المصادقة عليها من المجلس النيابي عندما ٱجتمع الطرفان وجها لوجه ، ليتركز الحديث وقتها في جانب منه حول تحفظ الإتحاد على تركيبة الحكومة التي ٱعتبر أنها قائمة على الترضيات من خلال ضمها أسماء لا علاقة لها بطبيعة المرحلة أيضا عبر حسين العباسي للشاهد عن معارضة الإتحاد لعدد من نقاط البرنامج الحكومي

مثل تجميد الأجور و الإنتدابات في الوظيفة العمومية و القطاع العام و التفوبت في عدد من المؤسسات الوطنية إضافة إلى التدابير ٱلإستثنائية التي تقرر ٱتخاذها للحد من النفقات و نذكر أن اللقاء ٱنتهى إلى إتفاق على ٱستئناف الإنتدابات و خاصة في الصحة و التعليم و الإلتزام بٱلإتفاقيات المبرمة مع الحكومات السابقة و تعليق النظر في ملف الخوصصة وهو ما فسره الملاحظون بجنوح الشاهد إلى التهدئة خاصة و الحكومة مازالت في أيامها الأولى ، لتفادي التصادم ، إلا أن الهدوء لم يعمر طويلا حيث عاد الخلاف بين الطرفين عندما أعلن الشاهد عزمه مفاوضة الإتحاد حول تأجيل الزيادة في الأجور من مستهل ٱلعام الموالي 2017 إلى مفتتح سنة 2019 معللا ذلك بالضغط على المصاريف في ٱتجاه التخفيض من عجز الميزانية ٱستجابة إلى أحد شروط صندوق النقد الدولي ، توجه لم يقبل به الطرف النقابي الذي أصدر بيانا توضيحيا نشره على صفحته الرسمية على الفايسبوك بتأريخ 14 نوفمبر 2016 أكد فيه أيضا أنه نقل رفضه إلى وفد صندوق النقد الدولي الذي أنهى مهمته في تونس قبل أربعة أيام و أضاف أنه لن يقبل وسأطة هذه الهيئة المالية الدولية و وصفها وقتها بمهزلة الوساطة و أكد بالمناسبة أنه لن يشارك مع أي وفد يتوجه إلى مقر إلصندوق في واشنطن .
في تلك الحقبة كانت المالية العمومية تعيش صعوبات كبيرة في ظل تغييب السلطة في البلاد منذ الثورة للحوكمة و ترشيد الإدارة المالية للدولة و خاصة في فترة حكم الترويكا حين تم تعيين مسؤولين بالولاءات و و تحت شعار الأقربون أولى بٱلوزارات و بالمراكز العليا في الإدارة و أولى بالإنتدابات العشوائية التي أثقلت كاهل ميزانية الدولة ” يضاف إليها إهدار المال العام من التركات المالية لدولة النظام السابق التي كانت مخزنة في البنك المركزي و في بعض البنوك و القصور فضلا عن أموال الذوات الطبيعية من عائلات و أقارب و أصهار و أصدقاء الرئيس بن علي و زوجته المستولى عليها دون وجه حق و أموال الشركات و العقارات و المنقولات المصادرة ، يضاف إليها ما ٱستفادت به حكومة الترويكا من تمويلات من الدول الشقيقة و الصديقة من هبات و قروض، إبان الثورة .

إنشغال الحكام زمنها بالمحاصيل ، ترك البلد يعيش التسيب في كل مواقع الإنتاج بمساهمة مباشرة و غير مباشرة من بعض النقابات ، فكثرت الإضرابات و الإحتجاجات مما أدى إلى غلق عديد المؤسسات الإقتصادية المحلية و الأجنبية وتسريح عشرات ٱلآلاف من العمال وهو ما بعث الخشية و الريبة في نفوس رجال المال و الأعمال في الداخل و الخارج من مغبة الإستثمار في تونس و زاد في تعميق هذه التخوفات تواتر العمليات الإرهابية . تعمدت الرجوع إلى الأسباب و المسببات فيما يعيشه شعبنا اليوم من بؤس و خصاصة ، حتى لا يذهب في ٱعتقاد من حكمونا أن التاريخ هو مجرد ماض لا علاقة له بالحاضر .
نعود إلى الخلاف بين ٱتحاد العباسي وحكومة الشاهد الذي تجمد بإلغاء الإضراب العام في الوظيفة العمومية ، إثر التوصل إلى ٱتفاق ⁦ يقضي بتقسيم الزيادة في الأجور على عامين 2017 و 2018 ، مناورة خرج منها الإتحاد منتصرا و ٱتفاق كلف الحكومة أنذاك 963 مليون دينارا .
هكذا هو الإتحاد يناور دائما معتمدا على فلسفته التي تقوم على ترك مسافة من السلطة لضمان حرية التفاوض و بالأسلوب الذي يرتضيه ، و دليل ذلك مثلا أن أمينه العام حسين العباسي صرح مباشرة بعد حضوره حفل تنصيب الحكومة أن وجود وجوه نقابية سابقة في تشكيلتها ( و يقصد محمد الطرابلسي وزير الشؤون الإجتماعي و عبيد البريكي وزير الوظيفة العمومية و الحوكمة ) لا يعني أن الإتحاد مشارك في الحكم كما نذكر أيضا أن الإتحاد رفض في أكثر من مناسبة أن يكون طرفا في الحكومة .

العباسي شدد وقتها على مسائل تدخل في خانة السياسي مثل المطالبة بإيجاد حلول للأزمة الإقتصادية و محاربة الفساد و التجارة الموازية و مراجعة قانون الجباية .
في الواقع التدخل السياسي للإتحاد في شؤون الحكومة ليس له حدود ، فقد وقف في وجه الشاهد عندما كان يعتزم تسريح عديد الموظفين في الإدارات العمومية طوعا ، للتخفيف من عجز الميزانية خاصة بعد طفرة الإنتدابات التي أنهكت بها حكومة الترويكا برعاية النهضة، المالية العمومية حيث ٱرتفع عدد أعوان الدولة بنسبة 50 بالمئة ، من 600 ألف عونا عام 2010 إلى 900 ألف سنة 2016) و أكثر من ذلك فقد تجاوز الإتحاد محاولات فرض مقترحاته و مطالبه الخارجة عن مشمولاته إلى إقحام نفسه في تقييم مردود الوزراء و طريقة ٱختيارهم و الضغط على رئيس الحكومة لإعفائهم من مهامهم أو التراجع عن تعيينهم ، مثلما حصل في عهدة الأمين العام نور الدين الطبوبي الذي خلف حسين العباسي في المؤتمر 23 للمنظمة الشغيلة المنعقد في أواخر جانفي 2017 وهو موضوع حديثنا في الجزء القادم (15) بإذن الله

مواضيع ذات صلة