مجرد رأي بين النقابي و السياسي ، خيط رفيع( الجزء التاسع ) المنجي عطية الله
وصلنا في الجزء الثامن من هذه المتابعة التاريخية الملخصة لعلاقة الإتحاد العام التونسي للشغل بالحكومات المتعاقبة و خلفياتها السياسية التي ٱتسمت في أغلبها بالمناورة و أحيانا بالصدام ، وصلنا إلى المؤتمر السادس عشر (15 – 20 ديسمبر1984) الذي ٱنتهى إلى عودة الحبيب عاشور إلى الأمانة العامة ،
عودة كانت بما تخفيه من إسناد في كواليسها ، إشارة إلى ٱسترجاع المنظمة الشغيلة لعافيتها وقوتها أو هكذا أريد لها هذا التوصيف .
عودة تزامنت مع ٱحتدام الصراع حول خلافة بورڨيبة الذي أرهقه المرض و أثر على مجهوده في تسيير دواليب الدولة و ٱتخاذ القرارات الصائبة خاصة مع بداية التحركات النقابية العمالية المطالبة بتحسين الأجور التي لم تعد تستجيب لأدنى متطلبات العيش الكريم لكن الشق الآخر و هم المحيطون بالمجاهد الأكبر بقيادة سعيدة سياسي ٱبنة شقيقة الرئيس ، أوهموه بأن الحبيب عاشور يطمح لخلافته و الحقيقة أن المستهدفة ليست إلا وسيلة في تقديري وهنا لم تذكر المراجع التي ٱعتمدتها على الأقل ما إذا كانت المعلومة كاملة قد بلغت إلى الرئيس الذي أعطى الإذن لمعاونيه بإعداد ملف للزج بخصمه في السجن فكان الحل في ٱفتعال قضية فساد في شركة “كوسوب” التي كان يديرها الإتحاد مع بداية عام 1985 حيث حوكم عاشور بالسجن في محاولة للتخلص منه وهو في سن الثالثة و السبعين رغم وضعه الصحي الصعب .
حسب رواية محمد مزالي في مذكراته ، كتب أن عاشور بعث برسالة إلى الرئيس بورڨيبة يصف فيها حالته الصحية الحرجة في مسعى لإطلاق سراحه لكن بورڨيبة مزقها و رمى بها في سلة المهملات في تأكيد على شدة حنقه منه لكن بعد أن علم بنقله إلى المستشفى العسكري في حالة ٱستعجالية ، ٱضطر بورڨيبة إلى الإفراج عنه مع وضعه في الإقامة الجبرية التي تواصلت حتى وصول زين العابدين بن علي إلى السلطة في نوفمبر 1987 .
وصول بن على لرئاسة الدولة كان ضمن لعبة سياسوية اتقنت حبكتها سعيدة ساسي إبنة شقيقة بورڨيبة و قد أضحت سيدة قرطاج في تلك الفترة خلفا لوسيلة بن عمار التي طلقها الرئيس قبل أكثر من عام , تحديدا يوم 11 أوت 1986 و تونس تستعد للإحتفال بعيد المرأة الثلاثين (13 أوت) .
بعد فشل مزالي في إدارة الملفات الحارقة و المحافظة على ٱستقرار البلاد التي عرفت بعض الهزات في عهدته حيث حمله بورڨيبة مسؤولية إخفاقه في التعامل مع ٱنتفاضة الخبز الدامية لولا تدخله شخصيا بإلغاء الزيادات وهو القرار الذي أخمد نيرانها ثم دخوله في حرب مواقع و لي ذراع مع الإتحاد العام التونسي و هكذا هو بورڨيبة دائما يتنصل من المسؤولية كلما حصلت نكبة في البلاد رغم أنه رئيس السلطة التنفيذية .
أستسمحكم في فتح قوسين فقط لتتبينوا الوضع السياسي المضطرب الذي كانت عليه الدولة أنذاك في ظل الطمع الذي صار يسيطر على وجدان المحيطين بالرئيس للظفر بكرسي قرطاج فصاروا يتقربون من سعيدة التي تلازم الرئيس صباحا مساء بوصفها أقرب الناس إليه بل يكاد لا يثق في أحد سواها.
و نذكر أن محمد المزالي كانت إقالته بتدبير من وسيلة التي نصبت له مع أطراف أخرى المكائد خلال ٱنتفاضة الخبز و بعدها قبل إبعادها من دائرة الرئيس بطلاقه منها .
بعد محمد مزالي جاء رشيد صفر الذي لم يقدر على مسايرة ما يحدث في الكواليس من الصراعات التي بلغت ذروتها وقتها مع دخول الإسلاميين على الخط فغادر منصبه بعد أشهر فقط .
في الأثناء كانت سعيدة ساسي تحضر لسيناريو الخلافة بعد أن ٱطمانت على تعيين زين العابدين بن علي وزير دولة مكلفا بوزارة الداخلية لمواجهة سطوة الإخوان الذين تحولوا إلى العمل المسلح التقليدي و نجح في الإطاحة ببعض القيادات من الصف الأول ( حمادي الجبالي و علي العريض و غيرهم ) الذين خططوا و كانوا وراء تنفيذ عمليات إرهابية نوعية من خلال تفجيرات ٱستهدفت أربعة نزل سياحية بسوسة و المنستير مع اللجوء إلى ٱستعمال الزجاجات الخارقة و ماء الفرق في مواجة المواطنين المعارضين لهم و رجال الأمن ، فكسب بذلك ثقة بورڨيبة و بتأثير من ٱبنة أخته سعيدة، تمت ترقيته إلى وزير أول وهو المنصب الذي يتيح له بالدستور نيابة الرئيس بصفة وقتية عند المرض أو السفر و كذلك يمكنه من إكمال فترته الرئاسية عند الشغور بحكم الوفاة أو العجز التام و هذا الذي حصل حيث لم تطل إقامة بن علي بقصر الحكومة بالقصبة إلا أشهر معدودات حتى ٱنقض على السلطة بعد أن عاين بنفسه الوضع الصحي المتأزم للرئيس الذي لم يعد قادرا على تصريف شؤون البلاد بفعل سنه المتقدمة التي أثرت على مداركه الذهنية فضلا عن عديد الأمراض التي يشكو منها .





