مجرد رأي : بين النقابي والسياسي، خيط رفيع (الجزء11).. منجي عطية الله
تحدثنا في الجزء العاشر عن تميز علاقة الاتحاد العام التونسي للشغل بالسلطة بعد تحول السابع من نوفمبر 1987 بالهدوء بعد أن نجح زين العابدين بن علي في ترويضه بإبرام ٱتفاقية الزيادة في الأجور التي تتجدد بصفة دورية كل ثلاث سنوات ويستفيد منها أعوان الدولة في القطاع العام والوظيفة العمومية. وجاءت هذه المبادرة بعد أن أيقن بن علي بإحاطة من مستشاريه بأن الاستقرار الأمني والاجتماعي في البلاد هو السبيل إلى تحقيق الانتعاشة الاقتصادية والرفع من نسبة النمو.
هكذا عاشت تونس عشريتين من التوافق المشوب بالحذر بين النظام والاتحاد إلى حين ٱندلاع ثورة السابع عشر من ديسمبر التي ٱنطلقت من سيدي بوزيد وٱستدرجت إليها بقية الجهات. ثورة أنجزها الشعب المفقر والشباب المعطل عن العمل ضد الفاسدين من عائلات وأصهار وأقارب وأصدقاء الرئيس وزوجته ليلى الطرابلسي وٱستغلها الاتحاد والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني بالحاق بركبها في الأمتار الأخيرة.
بعد الثورة تحررت المنظمة الشغيلة من سلطة بن علي وحل حسين العباسي مكان عبد السلام جراد على رأس الأمانة العامة لتسترجع وهجها وعنفوانها و”سطوتها” وأصبحت بحق مؤثرة في المشهد السياسي خاصة في ظل ٱرتباك السلطة القائمة في التعامل مع الأحداث المتسارعة التي عرفتها البلاد وفشلها في معالجة الإضطرابات والتسيب في كل المستويات السياسية والإيديولوجية والإجتماعية والأمنية وٱزداد الوضع ترديا بحصول الإغتيالات الموجهة التي ٱستهدفت المناضلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.
ثم تتالت العمليات الإرهابية ضد جنودنا في المناطق الجبلية التي تختبئ فيها عناصر ظلامية لا ترضى بغير القتل وسفك الدماء بالإضافة إلى تنفيذ عمليات “الذئاب المنفردة” ضد قواتنا الأمنية في مواقع عدة. في خضم هذه الأحداث المأسوية، لعب الإتحاد العام التونسي للشغل دورا كبيرا في الضغط على سلطة الترويكا بكل الوسائل المتاحة بعد أن عاين مجانبة أعمالها لٱنتظارات الشعب بمماطلتها في كتابة الدستور بعد تجاوز مدة السنة المتفق عليها من “الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والإنتقال الديمقراطي” وٱنغماسها في ٱقتسام “الكعكة” بين مكوناتها وفي مقدمتها حركة النهضة التي ٱشتغلت بالخصوص على نشر أذرعها في كل مفاصل الدولة وخاصة الوزارات الحساسة (الداخلية والعدل والفلاحة والخارجية والشؤون الدينية والوظيفة العمومية وغيرها) وبالتوازي كان (الإتحاد) يتابع ردود أفعال المعارضة من أحزاب وجمعيات المجتمع المدني وشباب متحمس للدفاع عن ثورته التي بنى عليها طموحاته.
أمام هذه التحركات المتناقضة في الأفعال والغايات ٱنتصر الإتحاد للحق وللشعب ومع ذلك تصرف معها بٱعتدال كوسيط خير. في المقابل كانت النهضة “سيدة” الحكومة ومجلس الترويكا تحاول الظهور في ثوب التنظيم الديمقراطي، المحب للمحاورة والنقاش ولكنها في واقع الأمر تناور بذكاء وخبث لربح مزيد من الوقت حتى تكمل مخططها في السيطرة على الإدارة، حسب ما يروج له خصومها. وتواصل المد والجزر بين الشارع المعارض والحكومة ومجلسها التأسيسي بزعامة حركة النهضة إلى حين ٱغتيال المناضل محمد البراهمي يوم 25 جويلية 2013 وهو الثاني بعد ستة أشهر فقط من مقتل المعارض الشرس شكري بلعيد بنفس الطريقة في سلوك إجرامي ٱنتقامي لإسكات الأصوات التي تعالت لفضح سياسات تنظيم الإخوان المسلمين في التملك بالسلطة ونسف الدولة المدنية وهي تعاليق وٱتهامات الطبقة السياسية المعارضة في تلك الفترة بعد هذه الحادثة الفاجعة ٱشتعل الشارع الذي شهد هبة شعبية، معارضة ونقابات ومواطنين بكل فئاتهم، تطالب بصوت واحد بحل حكومة الترويكا والمجلس التأسيسي وتولي الجيش حكم البلاد لفترة ٱستثنائية ثم تنظيم ٱنتخابات تعيد البلاد إلى وضعها الطبيعي بعد ٱنكشاف المؤامرة. وباتت هذه المؤشرات تهدد البلاد بحرب أهلية وٱنقسام إيديولوجي ينذر بنسف أهداف الثورة بل بتقويض أركان الدولة.
في هذه الأجواء المشحونة وببادرة من المنظمة الشغيلة تأسس ما يعرف بالرباعي الراعي للحوار المتكون من الإتحاد العام التونسي للشغل والإتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين. هذا الرباعي رسم خارطة طريق لحل الأزمة وأعلنها يوم السابع عشر من سبتمبر ثلاثة عشر وألفين لتكون قاعدة للحوار، وكمنطلق لهذه المبادرة دعا إلى حوار صادق ومتكافئ بين الفرقاء السياسيين، مراحله ٱلتزام المجلس التأسيسي بالتسريع في إنهاء كتابة الدستور والمصادقة عليه وختمه وهذا ما حصل في السابع والعشرين من جانفي أربعة عشر وألفين ثم القبول بتشكيل حكومة كفاءات ترأسها شخصية وطنية مستقلة لتحل محل حكومة الترويكا وهذا ما تم بعد مفاوضات شاقة ٱختتمت بتكوين حكومة تكنوقراط يرأسها مهدي جمعة. اتفاق خرجت منه تونس بأخف الأضرار والنهضة كأكبر مستفيد ولكن في تلك الفترة السوداء “ساد الارتياح الأوساط الشعبية” على أمل مواصلة المسار الثوري التوافقي بعد أن أعلن عن موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية مع أن المعارضة تقبلت الأمر باحتراز وبحذر شديد وهي تدرك ما سجلته النهضة من نقاط حوافز هامة لفائدتها ستكون لها سلاحا في المستقبل.
وهكذا نتبين من المعطيات التاريخية التي سردناها الدور الريادي الذي لعبه الإتحاد العام التونسي للشغل بقيادة حسين العباسي في فترة حساسة ومفصلية من تاريخ تونس بفضل مبادرته في تكوين مؤسسة الرباعي الراعي للحوار التي جنبت البلاد عواقب وخيمة لكن بقراءتنا العلمية للأحداث، نقول اليوم إن التأريخ لا يقرأ بظاهره وإنما بنتائجه بمعنى أن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار لكن في باطنه نظر وتحقيق كما قال ٱبن خلدون. إن ما أنجزه الرباعي الراعي للحوار كان نجاحا في المكان والزمان ويمكن أن ينسحب هذا الإستنتاج على تتويجه بجائزة نوبل للسلام حتى إن كانت بتأثيرات من دوائر خارجية للإيهام بنجاح ثورات الربيع العربي التي أنجزت بتدبير منها لتمكين الإسلام السياسي من حكم بلدانه على غرار ماحصل في مصر لولا عبد المفتاح السيسي الذي تصدى لها وأفشلها من جذورها وفي سوريا التي قاومتها رغم جروحها التي مازالت تنزف إلى اليوم وفي ليبيا التي تعيش الإنقسام حتى الساعة.. ونختم بالقول إن أغلبية الشعب التونسي بما عاشه و قاساه في العقد الأخير يعتبر ثورته فاشلة وأكثر من ذلك أصبح يتمنى عودة نظام بن علي الذي ٱنتفض ضده منذ 12 سنة.





