مجرد رأي : بين النقابي والسياسي خيط رفيع (الجزء 18).. المنجي عطية الله

مجرد رأي : بين النقابي والسياسي خيط رفيع (الجزء 18).. المنجي عطية الله

12 مارس 2023، 21:24

أنهينا في الجزء السابق مرحلة حكومة المشيشي وتفاعلاتها مع اتحاد الطبوبي. مرحلة ختمها الرئيس قيس سعيد بحركة 25 جويلية 2021 عندما أقال هشام المشيشي وجمّد أعمال البرلمان وأغلق قبته في باردو وأحال النواب على المعاش ٱستجابة لمطالب أغلبية الشعب بعد ما عاينته من سيناريوهات كارثية في السلطتين التشريعية والتنفيذية أبطالها “ممثلو الشعب وحكامه” في كل المستويات، طالت مكتسبات الشعب ومستقبله حسب تقييمات جل المحللين آنذاك.
الرئيس قيس سعيد بما أقدم عليه بقوة الدستور كما قيل، طوى صفحة وصفتها كل القوى الحية في المشهد السياسي دون المستفيدين من الكعكة، بالمظلمة وعنونها ثلة من مسانديه الذين عايشوا قزازة التعاطي مع الشأن الاجتماعي والاقتصادي بحقبة “البيليك”، لما شاهدوه من عبثية في إدارة الحكم حسب تقديرهم.
في هذا الجزء (18) نتحدث عن علاقة الاتحاد العام التونسي للشغل ب”حكومة نجلاء بودن” ٱستئناسا بتسمية منظومة ما بعد الثورة ولكن بعد حراك 25 جويلية 2021 دخلنا حقبة الولاية التي تغير نظام الحكم فيها 180 درجة من برلماني إلى رئاسي بدستور الجمهورية الجديدة الذي صادق عليه المقترعون بنسبة تفوق 94 بالمئة في استفتاء 25 جويلية 2022.
بعد تغيير نظام الحكم أصبح قيس سعيد على رأس السلطة التنفيذية ويمارس بصفة مؤقتة السلطة التشريعية من خلال المراسيم والأوامر في ٱنتظار شروع المجلس النيابي الجديد في أشغاله، في المقابل تقلص دور منصب رئيس الحكومة بشكل لافت حيث أصبحت مهامه تقتصر على التنسيق بين مختلف الوزراء والإشراف على المجالس الدورية بينما القرارات الهامة يتكفل بها رئيس الدولة.
من خلال هذه المعطيات نفهم أن علاقة الاتحاد بالسلطة لم تعد مؤسسة على رئاسة الحكومة بالكامل، كما كان الأمر في السابق، بل تتوزع بينها ورئاسة الجمهورية ويكاد ينفرد بها ساكن قرطاج مصدر كل السياسات والقرارات المؤثرة في تسيير شؤون الدولة.
5 أوت 2021 (عشرة أيام بعد حراك 25 جويلية) الاتحاد العام التونسي للشغل بقيادة نور الدين الطبوبي، دعا رئيس الجمهورية من صفاقس، بمناسبة إحياء ذكرى شهداء 5 أوت 1947، إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية
مع سوريا المقطوعة منذ 2012، دعوة سبقت خارطة الطريق التي أعلن عنها الرئيس فيما بعد، لإدارة فترة التدابير الاستثنائية على مستويات عدة، بما فيها الشؤون الدولية.
الاتحاد في نفس المناسبة، أمعن في التدخل العلني والمباشر في الشأن السياسي بل حتى في الصلاحيات الأساسية لرئيس الدولة، مستغلا في ذلك مساندته للحراك وأصدر بيانا دعاه فيه أيضا إلى بلورة ٱستراتيجية وطنية لعلاقات تونس الخارجية، تقطع مع الاصطفاف وتتعامل بندّيّة وتغلّب مصلحة البلاد، وتعيد حرارتها إلى العمق العربي.
نذكر أيضا نداء الاتحاد لرئيس الدولة، بمحاسبة من تورط في حملة تسفير الشباب إلى بؤر الإرهاب للقتال في سوريا والعراق ومن تورط أيضا في الاغتيالات السياسية والاعتداء على المنظمات والأحزاب والشخصيات الوطنية.
25 سبتمبر 2021، شهران فقط على حراك 25 جويلية، صعّد الاتحاد لهجته وعبّر عن رفضه الاستمرار في التدابير الاستثنائية وتحويلها إلى حالة مؤبدة، معللا موقفه هذا، بخلو الأمر الصادر في 22 سبتمبر 2021 من أي تسقيف زمني للحالة الاستثنائية.
الاتحاد لم يكتف بذلك، بل جدد في بيان رسمي مطالبته بالتسريع في تشكيل حكومة بكامل الصلاحيات، قادرة على مجابهة الوضع بكل تعقيداته وتكرس ٱستمرارية الدولة وٱلتزامها بتنفيذ الاتفاقيات المبرمة مع الأطراف الاجتماعية.
هكذا هو الاتحاد كما يرى مراقبون، يحشر نفسه في الشأن السياسي ويغلفه بمطالب ٱجتماعية ولكن عندما أيقن بأن الرئيس لم يكترث لمساندته للحراك ويتعامل معه بٱحتراز، صعد من لهجته وحذر في بيان أصدره من مخاطر تجميع السلط بيد واحدة في غياب الهياكل الدستورية كما نبه إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في ظل ٱنتفاء الإرادة لوضع البرامج والتصورات وكان الاتحاد يرمي من خلال هذه المواقف إلى الظهور في ثوب المنظمة القوية والقادرة على المشاركة في “البناء” بما يمكن تفسيره بقدرتها على ٱتخاذ القرارات الصائبة كسلطة موازية أو هكذا فهم عند عدد من الملاحظين.
15 جانفي 2022 : الرئيس سعيد يبحث مع الطبوبي الوضع العام في البلاد ويؤكد أن التواصل مستمر بين الطرفين وينفي وجود أي جفاء بين الرئاسة والمنظمة الشغيلة.
في ذات المناسبة عقب الطبوبي بالقول : “إن المرحلة الراهنة تتطلب تضامنا وطنيا حقيقيا مع الكثير من الحكمة” في تناقض صارخ مع تصريحاته قبل أسبوع عندما ٱتهم الرئيس قيس سعيد بالتفرد في إعداد الموازنة العامة للدولة وٱحتكار ٱتخاذ القرارات المصيرية ومنها التفاوض مع الدوائر المالية الدولية، فضلا عن نزعة متنامية من العداء للعمل النقابي.
23 ماي 2022، الاتحاد يرفض المشاركة في الحوار الوطني وفق الصيغة التي أعلنها الرئيس، وهو موقف ٱعتبره متابعون للحياة السياسية إمعانا في التدخل في الصلاحيات السياسية للرئيس في وضع ٱستثنائي.
الاتحاد العام التونسي للشغل برر رفضه بكون المرسوم المتعلق بتشكيل الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل صياغة دستور الجمهورية الجديدة، لم ينبثق عن تشاور أو ٱتفاق مسبق بين القوى الوطنية ولا يرتقي إلى تطلعات التونسيين. في ٱجتماع الهيئة الإدارية الوطنية وفي محاولة للضغط وٱستعراض العضلات حسب توصيف بعض الملاحظين لم يكتف الاتحاد عند رفض المشاركة بل تعداه بالدعوة إلى الإضراب في القطاع العام تحت يافطة الاحتجاج على نية الحكومة خوصصة المؤسسات العمومية وفي محاولة لإعطائه الصبغة النقابية، تحدث مسؤولون في المنظمة عن تعمد الحكومة ضرب مبدأ التفاوض وتنصلها من تطبيق الاتفاقيات المبرمة مع سابقاتها والارتفاع الجنوني للأسعار. من جهة أخرى كتبت جريدة “الشعب” لسان الاتحاد، للتعبير عن حسن المقاصد “إن الاتحاد لا يسعى من خلال الإضراب إلى عرقلة خارطة الرئيس سعيد، بل إلى حث كل الأطراف على التوافق على أجندة يمكن أن تساعد في خروج تونس من أزمتها.” 21 ديسمبر 2022، الاتحاد يصدر أول بيان بعد الانتخابات التشريعية (17 ديسمبر) قال فيه “إن تدني نسبة المشاركة تؤكد بوضوح موقفا شعبيا رافضا خيارات الرئيس وعزوفا واعيا عن مسار متخبط، لم يجلب للبلاد سوى المزيد من ٱلمآسي و المآزق” كما ورد في نص البيان.
مواقف عديدة ٱتخذها الاتحاد وصفها متابعون لنشاطاته وتعبيراته بأنها تصب في خانة السياسي حتى إن ٱرتبطت بمطالب نقابية، بقطع النظر عن وجاهتها من عدمها. 2 فيفري 2023، اتحاد الشغل يتنقل من مناورة إلى أخرى في سعي دؤوب لٱستعادة تأثيره في الشارع من خلال قيادته لمبادرة حوار، لاقت جفاء من الرئاسة في البداية، ثم بعد إصراره في وسائل الإعلام والمظاهرات، بنية الضغط والتباهي، واجهها الرئيس سعيد بٱنتقادات حادة أنهى بها الجدل الذي كان قائما في الساحة السياسية وجاء رد المنظمة الشغلية من خلال أمينها العام، بالتعبير عن ٱستعدادها لأية معركة بينما صرح مساعده حفيظ حفيظ لتهدئة الخواطر بأن هناك توجها لإعداد خطة ثانية في صورة فشل المبادرة الأولى بعد عرضها على الرئيس.
4 فيفري 2023، نطالع في صحيفة (independant عربية) مقالا للصحفي حمادي معمري وصف فيه العلاقة بين السلطة السياسية في البلاد ممثلة في الرئيس قيس سعيد وٱتحاد الشغل بقيادة نور الدين الطبوبي، بالمتوترة حيث أصبح الطرفان يتبادلان الرسائل المشفرة ونذكر زيارة رئيس الدولة ذات يوم ثكنة الحرس الوطني بالعوينة عندما صوب ٱنتقاداته إلى الاتحاد بالقول “إن من يقومون بقطع الطرق وخطوط السكك الحديدية أو التهديد بذلك بعلل واهية لا يمكن أن يبقوا خارج المساءلة” وأضاف “أن الحق النقابي مضمون بالدستور لكنه لا يمكن أن يتحول إلى غطاء لمآرب سياسية كما لم يعد يخفى على أحد”.
بعد هذه التصريحات، عقب الاتحاد على ما رأى فيه ٱتهامات إلى قياداته بالتلويح بالتصعيد على ما ٱعتبره شيطنة للاتحاد.
طبعا الاتحاد تعودنا على تهديداته التي يستمدها من ٱمتلاكه لأدواتها من خلال ٱنتشاره الجغرافي في كل الجهات بحوالي 10 آلاف نقابة في القطاعين العام والخاص التي تمنحه القدرة على تعبئة الشارع من أجل الضغط على السلطة السياسية ولكن هل بإمكانه الآن النجاح في تنفيذ مخططه على الميدان ومواجهة سلطة قوية بشعبيتها، سلطة تتجمع كل أركانها بيد واحدة فوضتها صناديق الاقتراع لقيادة البلاد نحو الأفضل بالمحاسبة القضائية والإدارية والمالية لكل الفاسدين والمجرمين ومصاصي الدماء كما ينعتهم ناخبوه ؟! عن هذا التساؤل، أجاب الكاتب الصحفي كمال بن يونس في نفس الصحيفة وأتقاسم معه نفس الرؤية : “من الصعب أن يلجأ الاتحاد إلى المواجهة بالمفهوم المادي للكلمة لأنه أصبح ضعيفا بعد تورطه في الآلاف من الإضرابات أفقدته صلابته ورمزيته علاوة على وجود ٱنقسامات في قياداته وقواعده بينما “خصمه” رئيس الدولة يستمد قوته من السلطات التي يمتلكها بتفويض من ٱنتخابات الرئاسة أكتوبر 2019 ونسبة التصويت لصالحه ب72 بالمئة ومن شعب حراك 25 جويلية 2021.”
كما ترون علاقة الاتحاد بالشأن السياسي تفوق في أحيان كثيرة دور الأحزاب الموكول إليها قانونا، تعقب السلطة في ممارستها لوظائفها، بالنقد والمساءلة والاقتراح والاحتجاج والتظاهر والمنافسة على الحكم بواسطة الصندوق. الجزء القادم والأخير، نتحدث في قراءة خاصة عن “أطماع” المنظمات الشغلية في أكثر من دولة في الحكم بٱستغلال النشاط النقابي في ممارسة السياسة المقنعة أحيانا والمفضوحة في أحيان أخرى.

مواضيع ذات صلة