محاولات الالتفاف على الانتخابات الأكاديمية… حين يُهدَّد استقلال القرار الجامعي…العيادي الزريبي

محاولات الالتفاف على الانتخابات الأكاديمية… حين يُهدَّد استقلال القرار الجامعي…العيادي الزريبي

2 فيفري 2026، 20:45

تشهد الساحة الجامعية في الآونة الأخيرة جدلًا متصاعدًا على خلفية دعوات تنادي بالعودة إلى اعتماد منطق التعيين في الخطط الأكاديمية العليا، وعلى رأسها خطة رئيس الجامعة، عبر مجلس نواب الشعب، بدل الآلية الانتخابية المعتمدة منذ سنوات. وهي دعوات أثارت موجة واسعة من الرفض داخل الأوساط الجامعية، التي اعتبرتها تراجعًا خطيرًا عن أحد أبرز مكاسب الإصلاح الجامعي وترسيخًا لمسار يمسّ من استقلالية القرار الأكاديمي.
ويرى عدد من الأساتذة والباحثين أن الانتخابات الجامعية مثّلت خطوة محورية نحو حوكمة رشيدة للمؤسسات الجامعية، إذ مكّنت الهياكل العلمية والبيداغوجية من اختيار قياداتها على أساس الكفاءة والبرامج والرؤية المستقبلية، بعيدًا عن منطق الولاءات والقرارات الفوقية. كما عززت هذه الآلية ثقافة المسؤولية والمحاسبة، وربطت القيادة الجامعية بإرادة المجموعة الأكاديمية التي منحتها الثقة.
في المقابل، يذهب معارضو العودة إلى التعيين إلى أن هذه الدعوات تعكس إخفاق بعض الأطراف في نيل ثقة زملائهم عبر المسار الانتخابي، ما دفعهم إلى محاولة تغيير قواعد اللعبة بعد الفشل في المنافسة الديمقراطية. ويؤكد هؤلاء أن اللجوء إلى العرائض أو الضغوط الإدارية لا يمكن أن يكون بديلًا شرعيًا عن صناديق الاقتراع، ولا يعكس إرادة إصلاح حقيقية بقدر ما يكشف عن رغبة في بلوغ المناصب بطرق ملتوية.
ويحذّر مختصون في الشأن الجامعي من أن اعتماد التعيين في الخطط الأكاديمية من شأنه فتح الباب أمام تسييس الجامعة وضرب استقلاليتها، بما قد ينعكس سلبًا على مناخ البحث العلمي وجودة التكوين، فضلًا عن المساس بصورة الجامعة التونسية ومصداقيتها وسمعتها على المستويين الوطني والدولي. فالجامعة، في جوهرها، فضاء علمي مستقل، لا يمكن إدارته بمنطق الإدارة المركزية أو القرارات الإدارية الصرفة.
كما يشدّد فاعلون جامعيون على أن أي نقائص تشوب التجربة الانتخابية لا تُعالج بإلغائها، بل بتطوير الإطار القانوني المنظّم لها، وتحسين شروط النزاهة والشفافية، وضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين. فالإصلاح الحقيقي، في نظرهم، يمرّ عبر التقييم والتقويم، لا عبر التراجع والالتفاف على المكاسب.
ويجمع عدد من الأصوات الأكاديمية على أن الدفاع عن مبدأ الانتخاب في الخطط الجامعية هو دفاع عن استقلال الجامعة ودورها الريادي في إنتاج المعرفة وخدمة المجتمع. فالتفريط في هذا المكسب لا يقتصر على آلية اختيار المسؤولين، بل يطال في العمق فلسفة الحوكمة الجامعية القائمة على المشاركة والديمقراطية والاستقلالية.
وفي ظل التحديات التي يواجهها قطاع التعليم العالي، تظل مسؤولية الأسرة الجامعية، بكل مكوّناتها، اليقظة إزاء محاولات الردّة عن المسار الإصلاحي، والعمل على تحصين الجامعة من كل ما من شأنه إضعاف دورها أو تحويلها إلى مجال للتجاذبات الإدارية والشخصية، حفاظًا على مكانتها كفضاء للعلم والفكر والحرية الأكاديمية.

مواضيع ذات صلة