مصدّق الشريف يكتب عن قمر وأحزانها

مصدّق الشريف يكتب عن قمر وأحزانها

21 أوت 2023، 14:00

ركبت راحلتي، دراجتي النارية. كالعادة قفتي معلقة بمقودها تحرسني من الغيّ وحمل ما قد يعترض سبيلي من فرص مغرية لحمل القفاف.

كان اتجاهي إلى دار العزاء لأداء الواجب. ابنة الجيران قمرة ترجلت إلى عالم لا أدرك عن كنهه شيئا.

وان عرفت فالقول الشهير لأمي رحمها الله: ” ما مشا حد للقبر ورد الخبر”.انسلخت أعوام تلو أعوام لم أر فيها قمرة ولا أحدا من أهلها. فرقت بيننا السبل. طوال الطريق في اتجاه دار الميتة كنت أتساءل أين هو اسم ابنة الجيران من القمر وضوئه واتساع دائرته؟

لقد سموها بهذا الاسم لكنّي لا أتذكر يوما أن الحظ ابتسم لها. كان الحظّ طوال حياتها مدبرا عنها. منذ وُلدت كان قمرها كالعرجون القديم.ما إن ولجت قدماي مدخل دار أبيها حتى تداخلت الأحداث في ذهني. أصوات عديدة تتحدث. فجأة طغى من خلال الضجيج صوت أجش: أبو قمرة أعفي من مهامه. في ذلك الزمان قرر بورقيبة عزل كل المعلمين “الغرانطة” الموالين للفكر اليوسفي. الروايات تتحدث عن أنهم أحبوا بن يوسف، كانوا يرون فيه مهجة عبد الناصر. كانوا يتنسمون من خلاله التوجه القومي العروبي.لا أذكر أن قمرة أو أخواتها قد وطأت أقدامهن المدرسة العمومية. حفظن ما تيسر من القرآن الكريم بالزاوية.

لا أذكر من قريب ولا من بعيد أنه قد جرى في شأن قمرة حديث الزواج أو حتى فساد خطبة.

تربت قمرة على طاعة الله. كانت حلوة اللسان تصوم وتفطر وبقية عائلتها مع أهلنا في الشرق العربي. تشرّبت خطب الزعيم عبد الناصر كأمثالها من أبناء الجيل. وحتى مع ظهور معمر القذافي بقي عبد الناصر في الساسة ملء السمع والبصر ليس كمثله أحد. كانت قمرة على بساطتها وضيق معارفها تردد في سرها ما حفظته قلبا وقالبا ما تذيعه إذاعة صوت العرب من القاهرة. كان يحلو لها أن تقلد صوت أحمد عرابي. وإن تعجب فالعجب يأتيك مدويا أن قمرة على شبه أميتها تعرف أسماء تيتو ونهرو وسوكارنو.

عرفت قمرة الحزن على صغر سنها وبكت بكاء مرا عند وفاة عبد الناصر. اهتز كيانها يوم رأت دموع أبيها الوقور أكبر من مساحة أجفانه وفرائصه ترتعش. لم يكن صوت أبيها يُسمع إلا قليلا. ولا ينطق طوال اليوم إلا بما نزل من الكلام. قضت قمرة ليالي طوالا تطل على بيت أبيها في خوف. عالم أبيها محاط بهالة من القداسة. قاسمت أباها ما عاناه من أرق وما كابده طرفه من حرق لوفاة زعيمه الأوحد وما قصم ظهره ومزّق صدره حين هوى صرح عبد الناصر فدكّ قلوب العرب من الخليج إلى المحيط.

عدتُ إلى بيتي باكيا. قمرة عاشت جرحا يمشي على قدميه. هدّها الإعياء جراء حرب 1967. وبصدرها الأسى على وفاة الزعيم معبود الأمة جمعاء.

عدت أدراجي والأحزان تلفني. كيف جيء بقمرة إلى هذه الدنيا وكيف أختير لها هذا الاسم وحدد سيرورة حياتها بأحداثها الصغرى والكبرى؟ لم يكن يُسمح في بيتها بتعليق صورة فنانة أو فنان لا سيما المتغنين منهم بالحب والهيام. هل دفنت قمرة يا ترى في غابر الأيام عشقا في صدرها أخذ بلبها وسلب حسن عزائها؟ هل تراها تغنت ذات ليل في مخدعها بمقطع أغنية تفيض بحرارة العطف وجمال الحب العميق؟

لم يكن في بيتها ما يُتناول غير الحديث عن الله والرسول وعبد الناصر وسماع ترتيل عبد الباسط. حين وصلتُ إلى مدخل داري سطع القمر في السماء مالئا رحاب أجواء أذني: أنا قمر السماء رحبت بقمر الأرض منذ جاءتني فلا تأسى على رحيل قمرة.

مصدّق الشّريف

مواضيع ذات صلة