مِنْ دَمِ الْوَاجِبِ إِلَى نُورِ الْخُلُود
بِكُلِّ إِجْلَالٍ يَسْتَوْجِبُهُ الْمَقَامُ، وَبِإحساس رَصِينٍ تُهَذِّبُهُ الْحِكْمَةُ وَيُؤَطِّرُهُ الْإِيمَانُ، نَقِفُ الْيَوْمَ أَمَامَ اسْمٍ انْتَقَلَ مِنْ دَفْتَرِ الْحَيَاةِ إِلَى سِجِلِّ الْخُلُودِ، أَمَامَ رَجُلٍ لَمْ يَطْلُبْ مَجْدًا وَلَمْ يُجَادِلْ فِي وَاجِبٍ، بَلْ مَضَى إِلَيْهِ فِي شموخ نَبِيلٍ، هُنَاكَ يَكُونُ الْوَاجِبُ أَثْقَلَ، وَتُقَاسُ الْمَرَاتِبُ بِصِدْقِ الْوَقْفَةِ لَا بِطُولِ الْمَسِيرِ.
اِرْتَقَى الشَّهِيدُ وَهُوَ يَحْرُسُ حَقَّ النَّاسِ فِي الْأَمْنِ وَالْحَيَاةِ، وَيُثَبِّتُ بِجِسْدِهِ مَعْنَى الدَّوْلَةِ عِنْدَمَا حَاوَلَتْ قُوَى الظَّلَامِ أَنْ تَجْعَلَ الْفَوْضَى بَدِيلًا عَنِ النِّظَامِ، وَالْخَوْفَ بَدِيلًا عَنِ الطُّمَأْنِينَةِ. وَكَأَنَّهُ، فِي لَحظتِهِ الْأَخِيرَةِ، يُعِيدُ تَذْكِيرَنَا بِأَنَّ الْأَوْطَانَ لَا تَحْيَا بِالتخاذل، بَلْ بِالرِّجَالِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مِنْ أَرْوَاحِهِمْ جِسْرًا لِعُبُورِ الْآخَرِينَ إِلَى الْأَمَانِ.
هُوَ أَصِيلُ سِيدِي بُوزِيد، وَسَاكِنُ الْقَصْرِينَ، غَيْرَ أَنَّ انْتِمَاءَهُ كَانَ أَوْسَعَ مِنَ الْمَكَانِ، وَأَرْسَخَ مِنَ الْجُغْرَافِيَا؛ كَانَ ابْنَ تُونِسَ كُلِّهَا، يَحْمِلُهَا فِي نَبْضِهِ، وَيَكْتُبُ بِتَضْحِيَتِهِ سَطْرًا نَقِيًّا فِي كِتَابِهَا الْمجيد. عَاشَ بَيْنَنَا شامخا، وَرَحَلَ عَنَّا عَظِيمًا؛ لِأَنَّ الْعَظَمَةَ لَيْسَتْ فِي مَا نَمْلِكُ، بَلْ فِي مَا نَبْذُلُ.
تَرَكَ طِفْلَيْنِ، لَا لِيَكُونَا أَبْنَاءَ فَقْدٍ، بَلْ أَبْنَاءَ قِصَّةٍ تُرْوَى بِالْفَخْرِ، قِصَّةِ أَبٍ غَابَ جَسَدُهُ وَبَقِيَ مَعْنَاهُ، وَتَحَوَّلَ اسْمُهُ إِلَى وَصِيَّةٍ مفادها أَنَّ الْكَرَامَةَ لَا تُوَرَّثُ كَلِمَاتٍ، بَلْ تُحْفَظُ أَفْعَالًا، وَأَنَّ حُبَّ الْوَطَنِ لَيْسَ شِعَارًا يُرْفَعُ، بَلْ عَهْدًا يُؤَدَّى.
وَفِي هٰذِهِ اللَّحْظَةِ الْمُثْقَلَةِ بِالدُّمُوعِ، لَا نَقُولُ وَدَاعًا؛ فَالَّذِينَ يُؤَدُّونَ وَاجِبَهُمْ حَتَّى آخِرِ النَّفَسِ لَا يَغِيبُونَ، بَلْ يَتَحَوَّلُونَ إِلَى مَعْنًى مُقِيمٍ فِي الضَّمَائِرِ.
نُسَلِّمُ أَمَانَتَهُ لِلتَّارِيخِ، وَنُجَدِّدُ الْعَهْدَ أَنْ يَبْقَى دَمُهُ جُزْءًا مِنْ وَعْيِنَا، لَا ذِكْرَى عَابِرَةً فِي خِطَابٍ عَجُولٍ، وَلَا حَاشِيَةً فِي كِتَابٍ.
رَحِمَ اللَّهُ الشَّهِيدَ رَحْمَةً وَاسِعَةً، وَجَعَلَ مَثْوَاهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَأَلْهَمَ أَهْلَهُ وَزُمَلَاءَهُ وَالْوَطَنَ كُلَّهُ صَبْرًا جَمِيلًا وَوَعْيًا أَعْمَقَ.
الْمَجْدُ لِمَنْ حَمَوا تُونِسَ بِأَرْوَاحِهِمْ، وَالْخُلُودُ لِمَنْ كَتَبُوا أَسْمَاءَهُمْ فِي الضَّمِيرِ الْوَطَنِيِّ قَبْلَ أَنْ تُكْتَبَ فِي الْأرض.
د.النوري الشعري




