نبض مهاجر شعب محتاج يفرح بقلم سليم مصطفى بودبوس
انتهت المباراة المنتظرة… فُزْنا كما انتظرنا، ولكن خرجنا من المونديال… مرفوعي الرأس، كما خرج الجمهور من ملعب المدينة التعليمية فرِحا بالرغم من الخبر المؤلم الصادم فوز أستراليا ومن ثَمَّ تبخُّرِ آمالنا في التأهل لأول مرة إلى الدور الثاني من كأس العالم. فهل وصلت الرسالة؟
انتصرنا كرويا هذه المرة وخرج الجمهور في تونس إلى شارع الحبيب بورقيبة ليفرح بهذا الإنجاز بالرغم من مرارة الإقصاء، وخرج كذلك الجمهور في ساحات بعض المدن التونسية الأخرى ووشوارعها ليفرح بفوز مستحقّ على فرنسا بطل العالم بالرغم من معرفتنا أنّ المنتخب الفرنسي لم يلعب بكل إمكاناته. فهل وصلت الرسالة؟
حصدنا النقاط الثلاث أمام فرنسا، فخرج هناك في العاصمة الفرنسية باريس شعب المهاجرين التونسيين ليحتفل بهذا الفوز التاريخي على المستعمر التاريخي لبلادنا… وخرجت بعض الجاليات التونسية في عدد من دول العالم أيضا لتفرح بعد هذا الانتصار؛ فكلّنا داخل الوطن وخارجه نحبّ أن نفرح، “شعب محتاج يفرح” حتى لو كانت الفرحة منقوصة… فهل وصلت الرسالة؟
الرسالة مضمونة الوصول إلى كلّ عاقل فاهم و(بالفلاّقي) إن لم يفهم نقول: “يا رئيس، يا حكومة، يا وزراء، يا مسؤولين … نحن شعب يحبّ الحياة يحب الفرح … لكننا اليوم (راحنا فادّين) مهمومين من ضغط المعيشة وغياب المواد الأساسيّة، (راحنا) متخوّفين من تردّي الوضع في المدرسة العموميّة، ومنكوبين في أولادنا المفقودين في البرّ والبحر… (راحنا) مستغربين من تخاذلكم في حل مشاكل البلاد، من الجعجعة والاتهامات والتسريبات والتسريبات المضادة، من حالة الاحتباس السياسي، من انتخابات بلا معنى، وخسارة فلوس وهدر للجهد والوقت في انتخابات بائسة (كثر الهمّ فيها يضحك)…
نعم، الرسالة مضمونة الوصول ولا شكّ؛ فما معنى أن نفرح كل هذا الفرح وقد أقصينا، نعم نفرح لأننا مهمومون متأزّمون لا نعرف إن كنّا متقدّمين أو متأخّرين… لكن بالرغم من ذلك الليلة فرحانين فقط لأنّنا مشتاقين لفرحة تنسينا بؤس اليوم وضبابية الغد.
فرحانين، ونحن على يقين أنّ السبب في الإقصاء هو فساد التسيير في الجامعة التونسية لكرة القدم (اتحاد الكرة)، فلا بطولة (دوري) تليق باسم تونس وتاريخها الرياضي، ولا مدرّبا يرقى إلى أجواء المنافسات المونديالية، زد على ذلك ما تسمعه من تسريبات من هنا وهناك عن أجواء اختيار اللاعبين ومن هو صاحب القرار في وضع التشكيلة…إلخ
كلّنا مقتنع أنّ الجمهور الذي تحوّل إلى قطر والجمهور الذي لم يتحوّل أيضا قد ساند المنتخب بقلبه وكل جوارحه، إن لم نقل هو الذي كان يلعب، ولم يخذلنا سوى المسؤولون عن المنتخب؛ فهذا الجمهور هو الشعب التونسي نفسه وهذه الجامعة هي الدولة التونسية تماما!
نعم جمهور / شعب يحب أن يفرح، مشتاق لفرحة يتنفّس معها من أثقال اليوم وهموم الساعة، و(جامعة / دولة ) لا تحب أن تزرع الفرحة في قلوب جمهور الشعب. هكذا أرى الكرة في تونس صورة مطابقة للأصل للسياسة؛ فنحن ندّعي أنّ لدينا دوريّا محترفا، ولكن ينخره الفساد (من راسه إلى ساسه)، ظاهره الاحتراف وباطنه الانحراف وللأسف… ندّعي أنّ لدينا مدرّبا محترفا، ولكنّه المسكين مغمور في عالم التمارين ليس له خبرة السنين ولم يخض معارك كروية قوية حتى يشتدّ عوده ويقوى عموده… ندّعي أنّ لدينا مسؤولين عن الرياضة ولاعبين يتقاضون الملايين ولكن على أرض الواقع الرياضي تسمع جعجعة ولا ترى طحينا، بل ربّما ترى وتسمع “طحين” من النوع الرفيع جدا جدا..
كذلك هي السياسة في بلادنا مدرّب/ رئيس ليس له خبرة في المعترك السياسي، لم يخض معارك سياسية ولا تدرّب في الحكومات السابقة على إدارة الدولة، ولم يكن له أصلا مشاركة في الأحزاب أو المحطات الوطنية الكبرى، رئيس من حوله جملة من المتسلّقين تسمع تسريباتهم الصوتية فتخجل من دولة ضاعت هيبتها وصارت تُدار بالتلفون من هذه وتلك وهذا وذاك. فكيف لا نأسى ولا نحزن؟ كيف لا يصيبنا الهمّ والغمّ؟
هكذا وضع في السياسة كما في الرياضة… هكذا حال بائس قد أثقل كواهل الناس، هكذا غابت الفرحة أو تكاد… لكنّنا شعب يحب أن يفرح. فكيف نستغرب كل هذه الفرحة التي عشناها؟ ولماذا يستكثر بعضنا هذه الفرحة على جمهور / شعب متعطّش ليفرح؟ نعم، كيف لا يفرح (شعب محتاج يفرح)؟






