نبض مهاجر صفاقس الشهيدة… أ.سليم مصطفى بودبوس

نبض مهاجر صفاقس الشهيدة… أ.سليم مصطفى بودبوس

16 نوفمبر 2022، 18:32

وأنا أتابع عن بعد، من المهجر، الوضع الكارثي الذي وصلت إليه مدينة صفاقس، لا أدري هل أحزن أو أحزن؟ لا أدري حقّا هل أبكي أو أبكي؟ لا أدري هل أسكب كَلِمًا أو أسكت ألَـمًا؟ أم أكتب كلماتي أملا في يوم قد يأتي أو لا يأتي أبدًا؟ لا أدري ما يُراد لك يا مدينتي! يا قلعة أجدادي وأحفادي!
أتابع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأشاهد في القنوات التلفزيونية حال المدينة وأين وصل، وأكداس القمامة وقد تكوّمت جبالا، ثم احترقت فتأجّجت نيرانا، وتصاعدت دخانا في كلّ مكان تُسمِّم ما بقي نقيّا من جوّ خانق…
أتابع اليوم، بل منذ أكثر من سنة فلا أكاد أصدّق! ، أتابع صُوَرًا، حين رأيتها، فزعت بآمالي إلى الكذب، لكنّ حقيقتها لم تدع لي أملا.. وكيف لا أصدّق والصور خير دليل، ومقاطع الفيديو تأتينا بين الحين والحين لتكذّب أمانينا: بأنّ ما نراه “مجرّد قال وقيل”.
أتابع المدوّنين، أتابع ابن أختي الطبيب الحكيم الرصين، وكيف تدرّج في وصف الوضع ونقده من النصح والتوجيه إلى التحذير والتنبيه فاللوم والتوبيخ… ثم حين لم يجد خطابه نفعا، كغيره من المدونين والعقلاء، صبّ جام غضبه على اللامسؤولين، لعلّه يحرّك فيهم ساكنا، حتّى صدق فيه وفيهم قول الشاعر:
(لقد أسمعت لو ناديت حيّـا………. ولكن لا حياة لمـن تنادي)
فكيف لي أن لا أتأثّر؟ حتّى إن كنت بعيدا، كيف لي أن لا أشعر بالأسى على مدينتي ومربع صباي؟ كيف لي أن لا أحزن وأحزن؟ كيف لي أن أرى كل هذا وأسمع شكوى إخوتي وأحبتي فيها ولا أبالي لأنّني في المهجر؟ بالرغم من تلوث الجو والبحر منذ القديم في مدينتي، فقد عشت فيها في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، عشت في أرجائها وأعرف، أعرف جيدا حرص الجميع على البيئة، أعرف كما أعرف نفسي حبّ الأهالي للنظافة…
لكن اليوم، هانت على البلاد مدينة صفاقس، لقد هانت على الدولة “البقرة الحلوب”! ألم يَعِدْنا المسؤولون واللامسؤولون في “الدولة” بحلّ هذه المشكلة؟ ألم يُوَلَّ علينا واحدٌ منّا حتّى نحلّ مشاكلنا “منّا فينا”؟ ألم يعِدْنا الوالي بتطبيق القانون؟ ألَمْ يهدّد الرئيس ويتوعّد “الخونة” بعد حوادث مصبّ عقارب؟ ألم يُرْعِد الوالي ويزبد؟ وماذا بعد ذلك؟
ثرثرة كثيرة… كلام وكلام… كحالي أنا الآن… كلام….. ذهب الفعل مع أصحابه، وغادرت المسؤولية أسوارها، وأعطت بظهرها لصفاقس… اليوم مع كثرة القول وانعدام الفعل سيمضي الحساب أقوالا لا أفعالا؛ فكل على قمامته يثرثر: الرئيس يثرثر، والوالي يثرثر، وأنا أثرثر، وغيري في مواقع التواصل يثرثر ويثرثر… حتّى قلت معارضا الإمام الشافعيّ:
نعيب رئيسنا والعيب فينا وما لرئيسنا عيب سوانا
ونرثي ذا المكان بكلّ قول ولو نطق المكان لنا، هجانا
لك الله يا صفاقس الحبيبة، وحسبنا الله ونعم الوكيل فيمن قصّر في واجبه نحوك وأوصلنا إلى ما وصلت إليه.

مواضيع ذات صلة